قضايا قومية.. البحث العلمى ومستقبل مصر الحديثة (3 - 3)
تحدثنا عن أهمية تعزيز التنمية الاقتصادية القائمة على المعرفة من خلال اعتماد ووضع رؤى وأهداف استراتيجية محددة لكى نستعيد نهضتنا الاقتصادية والثقافية العريقة كقوة إقليمية متقدمة ومؤثرة فى منطقة الشرق الأوسط فى وقت قياسى نتيجة ما تمر به منطقتنا من مخاطر وأطماع وتهديدات، وتناولنا إصلاح التعليم والصحة وضرورة إجراء تغييرات جذرية فى بناء هيكلهما ونظم إدارتهما من خلال أفكار جديدة مبتكرة.
واليوم نتناول ملف البحث العلمى الذى يشكل مع التعليم والصحة مثلث تحقيق التنمية المستدامة لجمهورية مصر العربية كإحدى ركائز بناء الدولة المصرية الحديثة لما له من دور مؤثر فى حياة الإنسان، فالبحث العلمى هو السبيل الوحيد لنا اليوم فى مواجهة التحديات التى تمر بها دولتنا، ولا شك فى أن الثورة التى تحتاجها جمهورية مصر العربية هى ثورة العلم والتراكم المعرفى التقنى القائم على أسس تطوير منهجية البحث العلمى الحقيقى، وفى هذا الإطار، فإننا اليوم بحاجة ماسة للعمل على تغيير إدراك المجتمع لأهمية البحث العلمى لتحقيق التطور والنهضة المنشودة.
وإذا كنا نأمل فعلياً استعادة الريادة ومحاولة مواكبة العصر دون الاكتفاء بالحديث فقط عن آمال وطموحات وأحلام الغد، فيجب تعديل نسبة الإنفاق الحكومى على البحث العلمى التى نص عليها بالتعديلات الدستورية 2014 من 1% لتصل إلى 4% على الأقل من إجمالى الناتج القومى بالشراكة مع القطاع الخاص والأهلى حتى تحقق الدولة بناء اقتصاد المعرفة، على أن تكون كامل هذه النسبة مخصصة للأبحاث العلمية دون أن يدخل فيها ما يصرف على مرتبات العاملين والإنشاءات وصولاً لبحث علمى حقيقى حيث إن كافة التقارير توضح أن الأجور على الرغم من تدنيها فى هذا القطاع، فإنها تستهلك ما يزيد على الثمانين بالمائة من إجمالى الميزانية المخصصة للبحث العلمى فى جمهورية مصر العربية.
يتواكب ذلك مع ضرورة العمل على الارتقاء بتدريب الباحثين والمخترعين المصريين بحق من خلال دعم نشر بحوثهم فى المجلات والدوريات العلمية المتخصصة المصنفة عالمياً والتوسع فى إيفاد البعثات إلى الخارج مع الاهتمام بالتطبيق العملى للأبحاث والعمل على تكوين شراكات وخلق تحالفات مع كبرى الجامعات ومراكز الأبحاث الدولية والشركات العاملة فى مجالات البحث العلمى مع أهمية القضاء على البيروقراطية والروتين وسن التشريعات الحديثة المتطورة التى تتماشى مع العصر.
إن تغيير الفكر من أن الأبحاث ليس الهدف والغاية منها هو ترقية أعضاء هيئات التدريس فقط والعمل على تفعيل المعايير الدولية وتطبيقها على جميع مؤسسات البحث العلمى فى جمهورية مصر العربية مع ربط كل ذلك باستراتيجية وطنية موحدة للبحث العلمى على مستوى الدولة تحقق الأهداف الواضحة والمحددة بتلك الاستراتيجية وصولاً لتحقيق التنمية المستدامة.
إن أحد أهم معايير قياس تقدم ورقى الأمم هو مدى اهتمام مجتمعاتها وحكومتها بالبحث العلمى، ومن ثم فإن توافر الإرادة السياسية للتغيير تتمثل فى دعم اتخاذ قرارات من شأنها إحداث ثورة علمية وبحثية حقيقية، وتفعيل دور البحث العلمى لمعرفة المشكلات التى تواجها الدولة فى شتى المجالات، وذلك من خلال التعاون بين الدولة والقطاع الخاص الذى يعول عليه الإسهام فى جانب البحث العلمى باعتبار القطاع الخاص هو القاطرة الأساسية فى تمويل البحث العلمى.