كتاب «هيئة كبار العلماء فى سير أعلامها القدامى»

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

واحد من الكتب المهمة التى تناولت سير أعلام هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وصدر فى مجلدين عن هيئة كبار العلماء، وتناول تراجم لعلماء الهيئة وتاريخها ودورها المجيد فى الفترة من 1911م إلى 1961م، بداية من أول رئيس لها وهو الشيخ سليم البشرى المتوفى 1917م، إلى الشيخ الطيب حسن حسين النجار المتوفى 1965م.

خرج هذا العمل العلمى فى صورة منيفة مشرفة، إنْ فى الفكرة والموضوع، وإنْ فى التناول والإخراج، وأعطى صورة صادقة عن أحوال رجال الأزهر وأئمته وتاريخهم ومصنفاتهم العلمية، وشيوخهم وتلاميذهم، وأثرهم فى الحياة العلمية والاجتماعية، وتفاعلهم مع قضايا الأمة المختلفة، وتفنيدهم للشبهات المثارة حول الإسلام، والتزامهم بالمنهج الأشعرى منهج أهل السنة والجماعة، وحفاظهم على الهوية المصرية.

والغرض من الكتاب لم يكن مجردَ سردِ سيرِ حيواتِ علماءِ هيئةِ كبارِ العلماء، بل الغرض الغوصُ فى مواقفهم، والإبانةُ عن أفكارهم ومناهجهم، لأن الحديث عن وظائفهم ومؤهلاتهم فقط هو إيجاز مخل لمعانٍ دافقة، ارتفعت بهم إلى مستوى عالٍ، من علم غزير، ومنهجية منضبطة، وعطاء باذخ.

نشأت هيئة كبار العلماء عام 1911م، وأُطلق عليها اسم «هيئة»، ثم تغير اسمها إلى «جماعة» بمقتضى القانون رقم 26 لسنة 1936م، فى عهد الشيخ المراغى، حيث تراءى له أن كلمة هيئة لا تدل على المعنى المقصود مثل كلمة جماعة، لكن حين أُعيد إنشاؤها عام 2012 فى عهد الإمام الطيب عادت باسمها الأصيل «هيئة كبار العلماء»، وكان أعضاء الهيئة -وما زالوا - يعبّرون عن الأزهر الشريف ومنهجه وتوجهاته مع غيرهم من علماء كبار لم ينضموا للهيئة الموقرة.

ووراء هذا الجهد الكبير «هيئة كبار العلماء فى سير أعلامها القدامى» فريق متميز من علماء الأزهر وباحثيه المدققين، استمروا فيه مدةً تجاوزت ثمانية عشر شهراً، واصلوا الليل بالنهار، ليخرج الكتاب فى صورة قشيبة بهية، استنطقوا فيها الوثائق المتهالكة، والتزموا فى الكتاب المنهج الوصفى التاريخى، فقاموا بالتحرير الدقيق لأسماء الأعلام، لعدم الخلط بين الأسماء المتشابهة، وهو باب من العلم مهم، اسمه: (المتفق والمفترق، والمختلف والمؤتلف)، ويترتب على الجهل به ضرر كبير، إذ قد تنسب كلاماً لعالم فيكون لعالم آخر!، واعتمد فريق العمل من الباحثين الفضلاء وهيئة الإشراف على الوثائق الرسمية، كمصدر أصيل لمعرفة تواريخ الميلاد والوفاة، ومن أوثقها: محاضر لجنة هيئة كبار العلماء، ومحاضر المجلس الأعلى للأزهر، والوقائع المصرية.

وقد جعلوا فى نهاية كل جزء صوراً ووثائق ومحاضر بالألوان، زادت من روعة الكتاب وقيمته وجماله، وأضافت له الكثير، والحق يُقال: إن المنهجية المتبعة التى سار عليها الكتاب وإلحاقه بالصور والوثائق بهذه الطريقة مستمدة من الموسوعة الكبرى للعالم الأزهرى الدكتور «أسامة السيد الأزهرى»، وقد صدرت فى عشر مجلدات بعنوان: (جَمْهَرَة أَعْلامِ الأَزْهَرِ الشَّرِيفِ فى القَرْنَيْنِ: الرابع عشر والخامس عشر الهِجْرِيَّينِ)، وهذا الاستمداد لا يُقلل من جهد القائمين على العمل، فالنيات مجتمعة على خدمه الأزهر ومنهجه.

وأخيراً نتمنى من القائمين على الكتاب -فى الطبعات القادمة- أن يلقوا الضوء بصورة كبيرة على موقف أعضاء الهيئة من تيارات وحركات التطرف التى نشأت عام 1926م (تاريخ نشأة جماعة أنصار السنة) و1928م (تاريخ نشأة جماعة الإخوان) وحتى الفترة الزمنية التى توقف عندها الباحثون، وهو موضوع مهم وثرى بالوثائق والمعلومات الكثيرة..

تحية لهذا العمل وللقائمين عليه.