الحاضنة الغربية للإرهاب
يركز الإخوان خلال مناهضتهم للدولة المصرية فى السنوات الأخيرة على العمل من خلال البعد الاجتماعى فى شقه الخيرى ومنظمات المجتمع المدنى عبر تأسيسهم شبكة واسعة من المؤسسات فى الغرب مثل الـ (مدارس، مشروعات خدماتية، جمعيات خيرية، مستشفيات).
ويبتغى التنظيم من الشبكة الاجتماعية تحقيق هدفين رئيسيين. الأول؛ تأسيس قاعدة تنظيمية شديدة الترابط وزيادة القاعدة الشعبية التى يمكن للجماعة أن تحشدها. وثانياً؛ قاعدة اجتماعية واسعة تشكل محاضن آمنة فى لحظات الأزمات التى تمر بها.
وتعمل شبكة الجمعيات التابعة للتنظيم من خلال توفير وسائل الراحة والحياة عن طريق رعاية الاحتياجات اليومية لفئات واسعة من أبناء الجاليات المسلمة، ما يكون له تأثير كبير على نفوس أفراد المجتمع، ويجعلهم يتعاطفون مع الجماعة ويشعرون بأن مصيرهم مرتبط بمصيرها.
هنا يلزم التأكيد على مركزية الدين فى فلسفة الإخوان. إذ ركزت الجماعة على السيطرة على المساجد فى الدول الأوروبية، التى تخضع إدارتها لأئمة من التنظيم نفسه. وتضاعفت حركة إنشاء المساجد فى هذه الدول خلال العقود الأخيرة، بما يتناسب مع نمو التنظيم وتنامى وزيادة عدد المهاجرين من الدول العربية والإسلامية طلباً للجوء أو للدراسة فى الجامعات الأوروبية.
وتشير البيانات إلى أن عدد المساجد على سبيل المثال فى ألمانيا التابعة للجماعة تتجاوز أكثر من 50 مسجداً فى عام 2011. فيما تضاعف عددها فى بريطانيا ليصل خلال عام 2011 إلى 1400 مسجد فى كل المدن والمقاطعات البريطانية واسكتلندا، وأما فى دول أوروبا الغربية الأخرى فيزيد عددها على ثلاثة آلاف مسجد.
وتنقسم المنظمات الاجتماعية الإخوانية إلى نوعين، الأول: هو منظمات أو جمعيات عامة تتولى الأنشطة الدينية والاجتماعية والتعليمية، وتربطها علاقات تختلف فى قوتها بجماعة الإخوان، فهى إما جمعيات دعوية، وإما جمعيات متعاطفة، وإما جمعيات منتمية بشكل رسمى للإخوان المسلمين. والنوع الثانى: هو كيانات أخرى، أكثر تخصصاً مكملة للشبكة الدعوية الإخوانية، مثل جمعيات الشباب والطلاب «جمعية الطلبة المسلمين»، وجمعيات المرأة «المنتدى الأوروبى للنساء المسلمات»، وجمعيات إنسانية «الإغاثة الإسلامية»، وجمعيات فلسطينية «لجنة إغاثة ودعم فلسطين».
على سبيل المثال، نشأت فى فرنسا منظمات موازية تابعة لجماعة الإخوان، ومنها «الإغاثة الإسلامية فى فرنسا» التى تأسست سنة 1992، وهى منظمة غير حكومية، وأيضاً رابطة مسلمى بلجيكا التى تعتبر القناة التاريخية للجماعة، وأسسها سنة 1997 كل من «منصف شاطار» و«كريم عزوزى» لتتخذ تسميتها سنة 2006، وزعيمها الروحى هو «باسم حتاحت». وتملك أكثر من عشرة مساجد ومقرات بعدة مدن منها بروكسل «وأنفير» و«جراند وفرفييه».
أما فى هولندا، فتمثل الجماعة رابطة المجتمع المسلم التى أسسها فى لاهاى «يحيى بوياف» المغربى الأصل سنة 1996. وتضم عدة منظمات منها على وجه الخصوص «مؤسسة اليويوب تراست نيديرلاند» والمعهد الهولندى للعلوم الإنسانية والإغاثة الإسلامية.
ويعتبر اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية فى إيطاليا أيضاً الممثل المهيمن للإخوان المسلمين فى إيطاليا، وقد تأسس سنة 1990، ويضم الاتحاد ما يقرب من مائة وثلاثين جمعية، ويتحكم فى ثمانين بالمائة تقريباً من المساجد فى إيطاليا، كما يمتلك الاتحاد فرعاً ثقافياً وآخر نسائياً وشبابياً.
وقد لوحظ خلال السنوات الأخيرة أن هناك نشاطاً متزايداً فى استخدام فقه الأقليات، والقيام ببرامج تفصيلية لخدمة الأقليات المسلمة، واستخدام ذلك فى توغل واختراق الجماعة للمسلمين المهاجرين، مثل التطبيقات الإلكترونية المتخصصة الموجهة للأقليات مثل (يورو فتوى)، وموقع (المجلس الأوروبى للأئمة).
وفق الكاتب محمد اللويزى، فى كتابه «لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين: عودتى المستنيرة إلى حضن إسلام لا سياسى»، الصادر عن دار ميشالون، سنة 2016، باريس، يمكن شرح أنشطة الإخوان فى أوروبا بأنها اعتمدت على ما يسمى «فقه الأقليات» وهو إنشاء بيئة إسلامية يعيش فيها المسلمون، لكن بشرط التماهى مع فهم الجماعة، لذلك فإنهم يستهدفون مختلف قطاعات السكان (الطلاب، النساء، الأطفال)، وينظمون كافة الفعاليات (التربوية، الثقافية، الرياضية، السياسية).
ويعمل الإخوان وفق نظرية الشيخ القرضاوى للتكيف فى سياق الأقلية، حيث يقول فى كتابه (فقه الأقليات): يجب علينا أن نحافظ على وجود مجتمع إسلامى ذى أثر، فى بلاد الغرب، باعتبار أن الغرب هو الذى أصبح يقود العالم.
على سبيل المثال، تنشط أكثر الحركات الشبابية الإسلامية فى الغرب الفرنسى، خاصة فى مدينتى بوردو ونانت مع الأستاذ طارق أوبرو، وفى الشمال مع حسن إقيوسن، وفى الشرق بمدينة ليون مع جمعية التوحيد، التى يتزعمها فكرياً طارق رمضان القادم من سويسرا، وتنظم مهرجانات للأناشيد الإسلامية.
ويشير كل ما سبق إلى أهمية أن ننبه الدول الغربية إلى ما يجرى فيها وإلى تلك الحاضنة التى وفروها للجماعة، وهى نفسها التى أسهمت فى خلق مجال للإرهاب عانت منه أوروبا خلال السنوات الأخيرة.