قانون الإدارة المحلية كفاية.. حرااام
تعد مصر من أعرق وأقدم دول العالم التى عرفت نظام الإدارة المحلية منذ مصر الفرعونية ومرت تاريخياً بعدة نظم وأشكال للإدارة والحكم، كان من أهمها وأبرزها ذلك النظام الذى وضعه المماليك فى منتصف القرن الثامن عشر الذى استمر حتى مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر فى 1798 وكانت مصر وقتها مقسمة إلى 24 مديرية، حيث أصدر نابليون بونابرت أمراً بأن يكون لكل مديرية مجلس من 7 أعضاء تنحصر مسئولياتهم فى المسائل الأمنية والسياسية.. وتغير الحال إبان الاحتلال الإنجليزى لمصر على أثر تطبيق مشروع (اللورد كفرين) حيث تحولت تبعية المجالس البلدية إلى وزارة الداخلية فى حين كانت مجالس المديريات والمجالس القروية تابعة لوزارة الشئون البلدية والقروية حيث أعيد بناء مجالس المديريات بالانتخاب وتحددت مهامها فى وظيفتى التشريع والتنفيذ.
واستهدفت ثورة يوليو 1952 دفع التحول نحو نظام الإدارة المحلية من خلال صدور القانون 124 لسنة 1960 وأعقبه عدة قوانين لدعم وتأكيد هذا النظام حتى كان آخرها القانون رقم 84 لسنة 1996.
ولعلنا نسلم جميعاً بأهمية وخطورة ما تقوم به الإدارة المحلية وأجهزتها التنفيذية من أدوار ومهام اجتماعية وسياسية واقتصادية وإدارية ارتكازاً على محور أساسى فى تدعيم أواصر التواصل بين الحكومة والنظام السياسى من ناحية وبين المواطنين وممثليهم من ناحية أخرى.. بالإضافة لكونها تمثل بوتقة للتربية السياسية للجماهير بما تلعبه من أدوار اجتماعية تبلغ ذروة أهميتها فى إحداث التواصل بين الإدارة المركزية على مستوى الدولة وكافة قطاعات المجتمع الشعبية فى المحافظات والمدن والقرى، الأمر الذى يمكن أن يصل فى النهاية إلى تحقيق منظومة ديمقراطية كاملة وحقيقية من خلال إتاحة فرص المشاركة فى اتخاذ القرارات وخاصة المتعلقة بالحياة اليومية للمواطنين.. وطبيعى أن تلعب دوراً هاماً فى تطوير كفاءة الإدارة وكسر كابوس البيروقراطية وتخفيف العبء عن الإدارة المركزية، فضلاً عن قدرتها فى خلق القادرين على دراسة وصناعة واتخاذ القرار فى مستويات الإدارة اللامركزية.. إضافة إلى دورها على الصعيد الاقتصادى من خلال مشاركة وحدات الإدارة المحلية فى رسم ووضع خطط التنمية وسبل تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الإمكانيات الاقتصادية المحلية لتنفيذ المشروعات الخدمية والاقتصادية، التى تحدث حالة من الانتعاش بين المواطنين إلى جانب مساهمتها فى توفير فرص العمل.
ولكى نصل للصورة المثلى التى يكون فيها الإطار القانونى الحاكم والمنظم لعمل الإدارة المحلية دافعاً لا محبطاً وهادماً.. نتناول ماضيها فى سطور.
.. وكانت البداية فى صدور القانون 124 لسنة 1960 والذى يعد النواة الأولى فى تلك المرحلة لنظام الإدارة المحلية، حيث وضع شكلاً للوحدات فى المحافظات والمدن والقرى مع تحديد مجلس لكل وحدة.
إلا أن الدستور المؤقت فى تلك المرحلة قد حال دون ترسيخ هذا النظام، حيث خلا من أية مبادئ أساسية للإدارة المحلية!!! وأخضع مجالسها للوصاية!!!
ووصولاً لدستور 1971 نجده وقد تضمن ثلاث مواد وهى تحديداً (161، 162، 163) تنطوى على عدة مبادئ صدرت فى إطارها القوانين المنظمة لعمل الإدارة المحلية، وفى مقدمتها القانون 57 لسنة 1971 فى شأن الحكم المحلى والذى سرعان أن تكشفت من خلال التطبيق والممارسة العملية جوانب قصور كبيرة فيه فصدر القانون 52 لسنة 1975، حيث استحدث وحدتين جديدتين للحكم المحلى هما (المركز والحى) لتصل وحدات الحكم المحلى إلى خمس.. بالإضافة إلى تشكيل تلك المجالس بالانتخاب المباشر فضلاً عن أنه أعطى المجالس فى المستوى الأعلى سلطة الإشراف والرقابة على عمل المجالس فى المستوى الأدنى، إضافة إلى إعطائها دور تدعيم موارد وحدات الحكم المحلى عن طريق إنشاء حسابات الخدمات والتنمية..
وظل العمل به إلى أن صدر القانون 43 لسنة 1979 متضمناً تعديل اسم المجالس المحلية إلى المجالس الشعبية المحلية، إضافة إلى إعطائه مجالات أوسع لتلك المجالس أتى على رأسها حق تقديم طلبات الإحاطة للمحافظ ورؤساء الأجهزة التنفيذية.. ورغم ذلك فقد كشف التطبيق العملى لهذا القانون أن أحكامه لم تحقق القدر الكافى من الدعم لتقوية نظام الإدارة المحلية مما استلزم صدور القانون 50 لسنة 1981 متضمناً زيادة أعضاء المجالس على جميع مستوياتها.. وسرعان ما صدر القانون 145 لسنة 1981 متضمناً تشكيل المجالس الشعبية المحلية على كافة مستوياتها بالجمع بين النظام الفردى ونظام القوائم الحزبية مع زيادة عدد أعضائها وتعديل مسمى الحكم المحلى إلى الإدارة المحلية وإلغاء تمثيل العنصر النسائى فى تشكيل تلك المجالس!!!.
ونتيجة ذلك العبث التشريعى فقد بدا قانون الإدارة المحلية كالثوب البالى فى يد الأنظمة الحاكمة، تمارس عليه سياسة (الترقيع) حتى دفع الملايين من الفلاحين والعمال وسائر قطاعات المواطنين فى الريف والأقاليم إلى الصراخ بأعلى الصوت «كفاية.. حرام» أضف إلى ذلك ما سببه من ضعف المشاركة السياسية الشعبية فى المجتمعات المحلية وهو ما يظهر وبوضوح فى ضعف الإقبال الجماهيرى على انتخابات تلك المجالس.. أيضاً بيروقراطية ونمطية تلك الوحدات المحلية.. كل هذا فى ظل مناخ يشهد فى كثير من الأحيان تعارض وتضارب الاختصاصات بين الأجهزة التنفيذية والشعبية وسط محاولات لا تنتهى من الجهاز التنفيذى للسيطرة على الأجهزة الشعبية تحت شعار موروث وبالٍ مفاده أن (الشعبية جزء من التنفيذية)!!!
ويزيد الطين بلة تضاؤل السلطات والصلاحيات الخاصة بالمحافظين وقيادات الأجهزة المحلية فى ظل خروج كثير من المرافق والخدمات المحلية من سلطات المحافظ!!! وخلق ما عرف بالشركات القابضة فى قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحى وغيرها.
إلى هنا نتوقف لنقرر ضرورة وحتمية البدء من حيث انتهى دستور 2014 والذى أفرد للإدارة المحلية تسع مواد بدءاً من المادة 175 وصولاً للمادة 183 وهو ما يعكس رؤية جديدة للإدارة المحلية تتوافق مع مقتضيات بناء مصر الحديثة تستلزم إصدار تشريع جديد يقفز فوق أوجه القصور التى شابت كافة القوانين السابقة ويضع أسساً جديدة لتطوير المحليات وعلى كافة الأصعدة السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية بما يكفل استغلال أمثل للموارد وتطويرها وتوظيفها بشكل يحقق التنمية المحلية المرجوة، التى تسهم فى بناء جسور الثقة القوية بين المواطنين وأجهزتهم الشعبية والمحلية بما يدفع فى اتجاه مشاركة أكبر وأوسع وأعمق نتناولها فى اللقاء المقبل تفصيلاً بإذن الله تعالى.
وللحديث بقية ما كان فى العمر بقية.