باحب الخطيب.. سنتر كورة خصوصى

حين سألتُ الشاب الصغير الموهوب محمد أيمن عن سر تعلقه بكرة القدم، وإصراره على المبيت بالفانيلا والشورت القصير حتى تطلع شمس يوم التمرين فى أحد الأندية الإقليمية فى الدقهلية، لم يقل كغيره من آلاف المصريين إنه متعلق بنموذج محمد صلاح.

لكن محمد أيمن ابن الرجل الفقير الذى لا يملك سوى الجنيهات الفكة التى تعينه على السفر فوق ظهر سيارة نصف نقل، ذهاباً وإياباً من عزبة الشركة - بالبشمور - دقهلية، إلى أندية منية النصر والزرقا ودكرنس، والمنصورة، يعيش تجربة النجم العالمى محمد صلاح، دونما قصد أو تقليد، حيث يعانى الأمرين فى ملاحقة تمرينات أندية الأقاليم.

بلغ عمر «محمد» 15 عاماً، ليتراجع أمل والديه، وليصابا بالإحباط الذى أصاب والدَى محمد صلاح منذ نحو 15 عاماً، حينما رفضه مرتضى منصور.

كل الاختبارات التى خاضها محمد أيمن فى أندية درجة أولى، مثل: الأهلى، الزمالك، سموحة، وأخيراً المقاولون، تكللت بالنجاح والقبول، ما عدا المرحلة النهائية الفاصلة التى تكشف أن الموهبة وحدها ليست مفتاح عبور المرحلة الأخيرة، ولكن الأمر يتوقف على الانضمام إلى الأكاديمية التابعة للنادى، التى تشبه «سنتر» دروس خصوصية، أفقرها يبدأ بمبلغ لا يقدر عليه والدا محمد أيمن.

لم يكن محمد أيمن يعلم قبل تصريحه بحب الخطيب، أن الخطيب وُلِد فى قرية «قرقيرة» بالدقهلية أيضاً عام 1954، وحين انتقلت أسرته إلى القاهرة استقرت فى حى شعبى لا يزيد على القرى فى مقياس التحضر المجتمعى، ومع ذلك أصبح «براند» لن يعلوه اسم مهما تجددت الإمكانيات وتفرّخت المواهب.

أثناء مطالعتى فيديوهات قصيرة لاختبارات محمد أيمن، استعادت ذاكرتى اللمسات الساحرة بالقدمين الذكيتين للخطيب، لأستشعر أيضاً ألم الطعنة الأخيرة التى استقرت فى قلب الشاب، خلال اختبار أخير له فى أحد الأندية الكبيرة فى القاهرة، حيث تخطى المراحل الثلاث بترشيح من لجنة الاختبار والفرز بالإجماع، ثم جاءهم سمسار ليخبر الوالد بأن المسألة ليست بالموهبة «فكل المصريين موهوبون حالياً»، لكن المجد لمن يدفع، والمبلغ المطلوب 30 ألف جنيه.

العقبة التى زرعها سمسار النادى القاهرى الكبير، لم تكن فى المبلغ المالى، بقدر ما كانت فى عدم الثقة فيما إذا كان «الشاى بالياسمين» سيكون تذكرة دخول أكاديمية دروس كروية خصوصية تتبع النادى وتضخ خريجيها إلى الشوارع مرة أخرى، أم أنها رشوة حقيقية للتوقيع للنادى.

عاد الوالد وابنه بحملين ثقيلين من الخيبة، ودموع الحسرة تتشكل سحابة بين ابنه وأحلامه، بأن يكون ذات يوم مثل نجمه المفضل الذى أهدته الحوارى لنادى القرن، فسجل فى ذاكرة المصريين والعرب أهدافاً من التواضع ودماثة الخلق، لم يسجلها موهوب آخر فى هذه اللعبة، ليطرح السؤال: ماذا لو ووجه الخطيب قبل نحو 50 عاماً بما واجهه اليوم محمد أيمن؟ وكم موهوباً فقيراً فى كل المجالات -فى هذا البلد الأمين- منعته الرشوة من بلوغ الأمل؟