الفرق بين منهج الأزهر ومقرراته الدراسية
فى السنوات الأخيرة شن بعض المثقفين غارة على التعليم الأزهرى، على اعتبار أنه لا يواكب العصر، ويصب فى مصلحة التيارات المتطرفة، وقد أفردت مجلة (الثقافة الجديدة) عدداً كاملاً لنقد التعليم الأزهرى، فى المقابل، وقف الأزهريون يدافعون عن التعليم الأزهرى، على أساس أنه خرَّج مئات العلماء المنضبطين، فكيف يُقال إن هذه المناهج مفرخة للفكر المتطرف أو مناهج غير عصرية، وهكذا كثر اللغط والاختلاف وعدم وضوح الرؤية بين الطرفين.
فالطرفان (المدافعون عن المقررات الدراسية والرافضون لها) يدورون فى دائرة مفرغة، ويدخلون معركة صفرية، لا هذا محق فيها، ولا هذا محق فيها؛ لغياب محل الإشكال، ومحل الإشكال هو (عدم التفرقة الدقيقة بين مناهج الأزهر ومقررات التعليم الأزهرى)، فمناهج الأزهر هى الإطار الكلى الذى يضبط التفكير من الشطط، من خلال مقدمات ونتائج ومداخل معرفية، وهو أمر لا يقول عاقل بتغييره، بل إن وجوده والحفاظ عليه هو حماية للأمن القومى. أما المقررات الدراسة فهى المواد التى يدرسها الطالب لتكون وعاء للمنهج وخادمة له، وهذه هى التى يجب تغييرها واستبدالها لتظل قادرة على توصيل المناهج للعقول، وحتى لا تكون المقررات فى وادٍ والمنهج فى واد آخر، أو تكون المقررات فى وادٍ، وواقع الناس ومشاكلهم وقضاياهم فى وادٍ آخر.
مطالبة بعض المثقفين بتغيير مناهج الأزهر تؤدى إلى نشر التطرف، كما أن تمسك الأزهريين بالمقررات الدراسية واعتبارها هى المنهج، واعتبار الاقتراب منها اقتراباً من الأزهر يؤدى أيضاً إلى أن تصبح المقررات غير فاعلة فى مواجهة التطرف، بل يكون الطالب نفسه قابلاً للوقوع فى حبائل التطرف وجماعاته، لأن هذه المقررات لا تُخدِّم على المنهج الأزهرى نفسه.
المنهج الأزهرى معناه تدريب على معرفة مراتب الأدلة النقلية والعقلية، واستخراج جهات الدلالة، ومعرفة الفرق بين القطعى والظنى، وبين الفقه والفتوى، وشروط الفتوى، ومعرفة أفكار التيارات المنحرفة ومواجهتها، لنصل بذلك إلى حفظ الأنفس والعقول والأديان والأوطان والأموال والأعراض، وإدراك أن الرحمة هى سر الشريعة، وأن حقوق الإنسان والمرأة والطفل شعار الشريعة، وهنا نسأل المثقفين: هل لديكم اعتراض على هذه المعانى؟! كما نسأل الأزهريين: هل المقررات الدراسية فيها من المسائل ما يبنى عند الطالب المقدرة على الوصول إلى هذه المعانى؟! الإجابة بالرفض عند الطرفين.
قال صاحب (الجمهرة الكبرى) فى التفرقة بين المنهج الأزهرى وبين الكتب الدراسية ما خلاصته: «المنهج الأزهرى له معالم، منها ترتيب عقل الطالب وتنسيق تفكيره، والتدريب على معرفة مراتب الأدلة النقلية والعقلية، والفرق بين المناهج والمسائل، والفهم والتفسير والتطبيق، والمهارة فى معرفة اللسان العربى، وتشغيل كل ذلك يوصلنا حتماً إلى رؤية مقاصد الشرع، وأما المقررات فهى الكتب التى تجتهد فى توصيل هذا المنهج والتعبير عنه، وتُقدم عدداً من البحوث التى تبنى عند الطالب المقدرة على الوصول إلى هذا المنهج، فصار عندنا منهج للأزهر يتم توصيله من خلال المقررات الدراسية التى هى وعاء ذلك المنهج، وتظل هذه المقررات صالحةً ما دامت قادرة على توصيل المنهج للعقول، ويتم تغييرها كل مدة بما يحقق توصيل ذلك المنهج إلى العقول، ومعيار تغييرها مدى الاستيعاب لقضايا العصر ومشكلاته، والمحافظة على توصيل المنهج الأزهرى إلى العقول».