الغاز الروسي.. طبيعة السلاح والمدى المنظور
مع اقتراب فصل الشتاء تواصل أسعار الغاز الطبيعى قفزاتها الاستثنائية، محطمة فى طريقها الكثير من الأرقام القياسية، خاصة بعد وصول بعض عقود التوريد مؤخراً إلى مستوى تجاوز (1000 دولار) لكل 1000 متر مكعب. هناك من بدأ يتحدث عن نهاية لحقبة «الغاز الطبيعى الرخيص»، وأنها لن تعود مرة أخرى حتى فى حال تراجعت الأسعار أو انضبطت الإمدادات بصورة أو بأخرى مستقبلاً. فى الوقت الذى تتشكل فيه مؤشرات عدة، تضع معضلات سوق الغاز كونها ستشكل عقبة كبيرة أمام محاولات التعافى العام من جائحة «كوفيد 19»، بل يمكن أن تتأثر أسواق أخرى ذات صلة بالنظر إلى محورية دور الطاقة فى حركة الاقتصاد ودوائر ارتباطاته.
المتتبع لرحلة صعود أسعار الغاز يجده قد بدأ فى الارتفاع بدرجة ملحوظة بداية من الصيف المنصرم فى نصف العالم الشمالى، عندما أصبح من الواضح أنه لم يكن فى أوروبا الإمدادات الكافية، التى تتيح لها إعادة الملء المعتاد لمواقع التخزين بعد فصل الشتاء الماضى. وهنا برز الدور الروسى الذى بدا على قمة الأسباب الرئيسية لموجة صعود الأسعار، فى حين أرجعت روسيا، المورد الأول لقارة أوروبا، هذا الاضطراب لعدد من الأسباب، منها ارتفاع الطلب المحلى وتعثر الإنتاج، فضلاً عن نقل كمية أقل من الوقود عبر أوكرانيا. وما بين «كييف» و«موسكو» العديد من الإشكاليات التى توضح أن هناك شبهة تعمد روسى وراء ما يشهده سوق الغاز، فوفق الاتفاقية التى جرى توقيعها 2019 ما بين «كييف» و«غاز بروم» الروسية، يفترض أن توفر الأخيرة لمدة خمس سنوات، هى مدة العقد، كميات ثابتة ومتفق عليها مسبقاً من الغاز الروسى، مع النص بالعقد أيضاً على الزيادة فى الإمدادات الشهرية. لكن الواقع يذهب بالمشهد فى اتجاه آخر يعكس تعنت الجانب الروسى، حيث رفضت شركة «غاز بروم» أكثر من مرة العروض الأوكرانية للشراء، ما استتبعه ارتفاع تلقائى للأسعار فى كل مرة. وعندما لوحظ أن روسيا تذهب تجاه شل قدرات أوكرانيا على الوفاء بالتزاماتها تجاه تمرير ومد أوروبا بما اتفق عليه من كميات الغاز، صارت مناورة «موسكو» مكشوفة، حيث تقوم بذلك من أجل رفع الأسعار من ناحية، ومن ناحية أخرى أهم من أجل الضغط تجاه إنفاذ مشروع «نورد ستريم 2».
المأزق الذى تشعر به الدول الأوروبية أن حجم اعتمادها على الغاز الروسى ما زال كبيراً، بل ويمثل أهمية قصوى لبعض من الدول الرئيسية بالاتحاد يقيد من قدرتها على التحرك المضاد، حيث تتراوح نسب اعتماد ألمانيا على الغاز الروسى بنحو 50% من إجمالى احتياجاتها الحالية، وتأتى إيطاليا بعدها مباشرة بنسبة تصل إلى 47%، وفرنسا تصل إلى 20% تقريباً. وجميعها نسب مؤثرة تضع قيوداً على إمكانية هذه الدول منفردة، وداخل قرار الاتحاد، الاستجابة للضغوط الأمريكية الرامية إلى فرض قيود مؤثرة على روسيا، والأكثر أنه جعل مشروع «نورد ستريم 2» بكامله خارج نطاق العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا، فى وقت تشهد فيه منطقة اليورو ارتفاع معدل التضخم الرئيسى إلى أعلى مستوى له منذ عقود بوصوله إلى 3%، ولهذا يضغط مسئولو البنك المركزى الأوروبى من أجل إعادة الأمور إلى نصابها سريعاً، بعدم إقحام مشاكل الطاقة القادرة على القفز بهذا المعدل إلى مستوى أبعد، خاصة فى فترة التعافى التى يأمل البنك أن يخرج منها بأقل خسائر ممكنة.
الجديد أن صراعاً جيواستراتيجياً بدأت تتشكل ملامحه على خلفية هذا الارتباك والارتفاع المطرد لأسعار الغاز، فأوكرانيا تحارب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» بقوة وشراسة، لأنها تعتمد منذ عقود على المليارات الروسية التى تدر لها نحو (1.5 مليار دولار) سنوياً من العائدات التى تجنيها لقاء مرور الغاز الروسى عبر أراضيها، كما تشعر أيضاً بتوجس كبير من خسرانها لأداة ضغط دبلوماسية طالما استخدمتها فى مواجهة «موسكو»، عندما كان الاعتماد عليها منفردة فى عملية الإمداد. ويشاركها عدم الارتياح بالطبع الولايات المتحدة، حيث شكل المشروع موضوع خلاف جوهرى على مدى سنوات بين «واشنطن» و«برلين»، والقلق الأمريكى له على أرض الواقع وفى خطط الرئيس الروسى ما يؤكده، فبالنظر إلى خريطة شبكة أنابيب الغاز القادمة من روسيا إلى أوروبا، يتضح كيف تحاصر الأخيرة أوكرانيا وجيرانها فى شرق أوروبا من خلال مشروعات «نورد ستريم 1، 2»، لهذا تعتبر «واشنطن» أن أوروبا، وفق هذا الوضع، تجعل نفسها «رهينة» للغاز الروسى فى إمداداتها من الطاقة.
نزولاً على رغبة وضغوط «برلين» المتزايدة، غيَّرت «واشنطن» موقفها بالتوصل إلى تسوية ألمانية - أمريكية، لمحاولة إنهاء هذا الخلاف رغم اقتناعها بأن «نورد ستريم 2» سيظل سلاحاً جيوسياسياً خطيراً فى أيدى روسيا. فى الوقت الذى يتهم «الكرملين» الولايات المتحدة بالسعى فى المقام الأول لتحقيق مصالحها الاقتصادية، حيث تعرض «واشنطن» غازها الصخرى المسال كبديل للغاز الروسى فى السوق الأوروبية، لذلك سار فلاديمير بوتين مع المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل فى سبيل إجهاض الاستحواذ الأمريكى على قرار «برلين»، بالتعهد للمستشارة المتحمسة للمشروع بأن من الممكن الاستمرار فى استخدام شبكة الغاز الأوكرانية إذا كانت هناك حاجة إلى مثل هذه الكميات من الغاز الروسى فى أوروبا، وأكد «بوتين» لها التزام بلاده بعقد تمرير الغاز مع أوكرانيا حتى نهايته.
يرى الرئيس الروسى أنه بهذا تمكن من تهدئة الخصوم إلى حين، وانتزع من الولايات المتحدة رفع العقوبات وتنحيتها عن طريق مشروعه الكبير، ليكون بذلك قد حقق نهاية سعيدة تترسخ مع هذه الارتفاعات المتتالية للأسعار، مما يرشح لمزيد من حصد المكاسب ماثلاً فى الأفق المنظور، هذا يمكن روسيا من السير فى مقدمة طابور الباحثين عن التعافى، دون إغفال إمساكها بسلاح جيواستراتيجى لا يقل أهمية عن تلك العوائد المنتظرة والمتوقعة، خاصة مع ظهور بوادر أزمة آسيوية مماثلة عنوانها الأكبر الصين، لكن لهذا حديث وخريطة صراع أخرى قد تدفع لمزيد من المفاجآت.