إلى اللجنة العليا للانتخابات البرلمانية

هناك الكثير من رجال الأعمال وأصحاب المصالح قد رصدوا أموالاً ضخمة للانتخابات البرلمانية لضمان وصول عدد من النواب يحمى مصالحهم - يكون القانون فعّالاً ونافذاً عندما تصبح له القدرة على تنفيذه على الناس وقبول الناس له قبولاً قائماً على الاقتناع والإيمان به، وعندما تكون الدولة قادرة على إخضاع الجميع لسلطة القانون سواء المقتنع به أو غير المقتنع، وإن عدم تطبيق القانون يجعل من نصوصه مجرد حبر على ورق لا تفيد ولا تضر، وكذلك فإن قيام الدولة بإصدار القوانين وعجزها عن تنفيذها يسقط هيبة الدولة ويجعل الشعب يفقد الثقة فى مبدأ سيادة القانون، ولذلك كان لزاماً على الدولة -عند وضع أى قوانين- أن تضع فى الحسبان آليات وطرق تنفيذها قبل أن تقوم بإصدارها، سواء عن طريق التحفيز المعنوى للشعب بما يجعل للقانون جذوراً متأصلة فى عمق الوعى الإنسانى العام، أو عن طريق الإلزام الجبرى من خلال وضع وتنفيذ مجموعة من الإجراءات الرادعة لكل من يخالف هذا القانون. - وعندما تم إصدار القانون رقم «45» لسنة 2014 والخاص بتنظيم مزاولة الحقوق السياسية، والقانون رقم «46» لسنة 2014 والخاص بمجلس النواب، وقد وردت فيهما مجموعة من الإجراءات الخاصة بالترشح لمجلس النواب سواء شروط الترشح أو ضوابط الحملات الدعائية، خاصة من ناحية حجم الأموال التى يقوم المرشح أو الحزب بإنفاقها فى الانتخابات، وذلك بما يضمن الحد من تأثير المال السياسى، خاصة أن هناك الكثير من رجال الأعمال وأصحاب المصالح قد رصدوا أموالاً ضخمة للانتخابات لضمان وصول عدد من النواب يحمى مصالحهم، وهم جميعاً لديهم ثقة أن المال سوف يحسم هذه المعركة، وقد دخلت فى مناقشة مع أحد رجال الأعمال وذكر لى أن حزبه سوف يحصد 40% من مقاعد البرلمان، وعندما قلت له إن حزبه سواء من حيث الكوادر التى يملكها أو من حيث الدعم الشعبى الذى يحظى به يستحيل أن يحقق هذه النسبة أو حتى يقترب منها، وإنه بالكاد قد يحصل على خمس أو عشر المقاعد قال لى وبصورةٍ تلقائية إنه يمتلك الأموال، ويستطيع استقطاب النواب والكوادر عن طريق الأموال، وإنهم جميعاً -أى النواب والأحزاب- سوف يرجعون إليه فى النهاية للحصول على دعمه، ومع الأسف هذا هو الفكر السائد بين معظم رجال الأعمال القائمين على الأحزاب السياسية فى بلدنا الآن، والذين يملكون فى الوقت نفسه إمبراطوريات إعلامية يؤثرون من خلالها فى الرأى العام، ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه بالإضافة لهذا الوضع الداخلى فهناك دول كثيرة قد رصدت هى أيضاً أموالاً طائلة للتأثير على الانتخابات البرلمانية بما يخدم مصالحها، وسوف يسعون إلى دعم دخول عدد كبير من النواب لا يؤمنون بالوطنية المصرية، ولا أظن أن أحداً يجهل كم الأموال التى تسعى كل من قطر وتركيا إلى ضخها فى مصر والتأثير من خلالها على نتائج الانتخابات البرلمانية. - فهل يستطيع قانون الانتخابات الجديد التصدى لهذه المخاطر وضمان الوصول إلى برلمان بأغلبية وطنية يعمل على حماية مستقبل الشعب، ورعاية مصالحه فى هذه الظروف الصعبة والتى كما وصفها الرئيس السيسى حالة حرب وجود، عندما سُئِلت هذا السؤال من أحد السادة الصحفيين فور إصدار هذا القانون: قلت إن العبرة بالتطبيق بمعنى أنه إذا تم تطبيق ما ورد به من ضوابط وإجراءات سوف يضمن تحقيق ذلك، أما إذا لم يتم تطبيقه فسوف يكون عديم الفائدة، وأظن أن القارئ الكريم يتذكر قانون تنظيم انتخابات برلمان 2011، وكيف أنه لم يمنع استغلال الشعارات والأفكار الدينية فى الانتخابات لدرجة أن حزب النور كان يروج لنفسه بشعار أنه طريقك إلى الجنة، وكان مرشحو الإخوان وحزب النور وغيرهم من الأحزاب الدينية يضعون صور دعاة السلفية بجوار صور المرشحين التابعين لهم فى الشوارع وأمام اللجان الانتخابية، وكأنهم يقولون للناس إن هؤلاء الدعاة أفتوا بانتخاب هؤلاء المرشحين، بالإضافة إلى الاستغلال الكامل للمساجد فى الترويج الانتخابى، وقد حدث كل ذلك مع وجود نص صريح فى القانون يمنع استخدام الشعارات الدينية فى الانتخابات ولكنه لم يُفعّل فكان حبراً على ورق، وإذا ذكرنا استخدام المال السياسى والرشاوى الانتخابية فى انتخابات 2011 فحدث ولا حرج سواء من مرشحى الأحزاب الدينية أو الأحزاب المدنية على الرغم من وجود نصوص قانونية تمنع ذلك. - أذكر كل ذلك لأنه ومع الأسف: مع أول اختبار لقانون الانتخابات الجديد واللجنة العليا المشرفة عليها، ظهرت مؤشرات توحى بعدم قدرتها على مواجهة المخاطر المحيطة بالانتخابات المقبلة، فالحملة الدعائية لم تبدأ بعد، بل ولم يفتح باب الترشح بعد، وقد امتلأت شوارع مصر بالدعاية الانتخابية للمرشحين تحت ستار التهنئة بالعيد الأضحى، كما قام عدد كبير من المرشحين بتوزيع رشاوى انتخابية تحمل أسماءهم وصورهم تحت ستار توزيع لحوم أضاحى وإعانات للفقراء بمناسبة العيد والمدارس، بل إن بعض الأحزاب قامت، وبوقاحة سياسية، بتوزيع إعانات فى حقائب تحمل اسم وشعار الحزب، هذا كله ولم تحرك اللجنة المشرفة على الانتخابات البرلمانية ساكناً ولم يصدر عنها بيان، فهل هذا يعنى أن القانون الجديد سوف يكون مجرد حبر على ورق؟ أم أن اللجنة لم يصلها خبر هذه التجاوزات؟ أم أنها لا تدرك خطورة البرلمان المقبل على مستقبل مصر وشعبها؟ إن الشعب الآن يعتمد على اللجنة العليا للانتخابات البرلمانية فى التصدى لأى تجاوزات من شأنها التأثير على الانتخابات بما يهدد مستقبل مصر وشعبها وسوف يحاسبها الله والتاريخ على ذلك.