تعليم وتربية الخراف المتنمّرة

جزء كبير وعظيم من نجاح أى منظومة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أن يؤمن بها الناس، وترسخ فى عقولهم وتنعكس على سلوكهم، وتخرج مفرداتها أثناء عملية تربيتهم للأجيال التالية.

وبطبيعة الحال، كلما طال عمر وزمن المنظومة القديمة الفاسدة، أصبح تغييرها وتقويمها وإصلاحها صعباً وقاسياً، وأن عملية إبدالها بجديدة يكاد يكون مستحيلاً.

ظهرت هذه المقاومة فى عملية إصلاح التعليم وتجلت بوضوح فى امتحانات الثانوية العامة هذا العام، وستستمر المقاومة بكل ما أوتى المقاومون من قوة، طالما ظلت مصالحهم الفردية تتوق لربحية المنظومة القديمة.

عملية المقاومة ضد النظام الجديد يقودها مسئولون كبار فى بعض المواقع ليس فى وزارة التربية والتعليم فقط، بل فى وزارات عديدة أخرى كان المسئول فيها يتقاضى فى هذا الموسم مبلغاً مالياً ضخماً جداً، مقابل إشراف أو مراجعة أو مراقبة أو مشاركة فى المنظومة.

فى الخندق الثانى يقبع عدد ضخم للغاية من المدرسين الذين انهارت دخولهم جراء المنظومة الجديدة التى حدّت بشكل كبير من الدروس الخصوصية التى اعتمد عليها المدرسون فى ترتيب حياتهم المعيشية، لذا فهؤلاء إن لم يقاوموا المنظومة الجديدة، فعلى الأقل لن يساعدوا فى نجاحها.

فى الخندق الثالث، يقبع الطلبة أنفسهم الرافضون لفكرة المدرسة والنظام والبحث والتأمل وتحمل المسئولية، فالتربية التى لا تزال سائدة وأسلوب التعليم القديم الراسخ فى العقول، لا يجعل منهم طلبة علم، وإنما يجعل منهم خرافاً متنمّرة.

أغلب أبنائنا أطفال بلا خبرة، لكنهم يعتقدون أنهم يملكون زمام المعرفة، وأن أينشتاين جاهل بجوارهم، وأن «زويل» لو مد الله فى عمره لكان تلميذاً يتعلم منهم، قواعد علم النانو فى لعبة ببجى، أو محاكاة الذكاء البشرى فى لعبة لول (ليج أوف ليجندز).

لذا هم يرغبون وبشدة أن تختفى المدارس للأبد، وتتحول عملية التعليم إلى مواعيد لدروس خصوصية يسبقها ويتبعها ساعتان أو ثلاث فى السايبر ولا مانع من تناول ميلك شيك بالثلج المجروش فى أى كافيه قبل العودة ليلاً إلى البيت.

فى الخندق الرابع، يحارب أولياء الأمور والأهالى النظام الجديد، لأنهم لا يعرفون غير القديم، حتى مع تكبّدهم تكلفة باهظة معه، فقط لمجرد أنهم لا يعرفون الجديد، وكل عناصر العملية التعليمية تشوه وتحارب وتهدم المنظومة الجديدة أمامهم، ففقدوا الثقة فيها وحاربوها.

نحن نحتاج إلى معالجات مختلفة لكل عنصر من عناصر المنظومة، مع الإبقاء على دعم الدولة للمنظومة الجديدة، حتى بكل ما ينتج عنها من سلبيات، فالسلبيات من السهل تداركها أثناء الإصلاح، لكن إيقاف عملية الإصلاح ستكبدنا أجيالاً جديدة لا تعرف سوى الجهل والسطحية والاستخفاف، إلا مَن رحم ربى.