حروب الظل ما بين إسرائيل وإيران
ليلة الخميس الماضى تعرضت ناقلة النفط «إم تى ميرسر ستريت» التى تديرها شركة شحن مملوكة لإسرائيل لهجوم فى بحر العرب، بالتحديد شمال شرق جزيرة «مصيرة» العمانية، التى تقع على مسافة (185 ميلاً) جنوب شرق العاصمة مسقط. الشركة المشغلة للناقلة «زودياك ماريتايم» هى إحدى شركات مجموعة «زودياك» المملوكة للملياردير الإسرائيلى إيال عوفر، وفقاً لبيان الأخيرة هناك قتيلان سقطا جراء الهجوم الذى نفذ بطائرة مسيَّرة «مفخخة»، وهناك من رصد اشتراك أخرى فى الهجوم، ربما على سبيل التأمين والتحسب للفشل الذى قد يحتاج إلى توجيهها باتجاه الناقلة، لكن هذا لم يحدث ونفذت «المسيَّرة» الأولى الهجوم بنجاح وأحدثت الإصابة المستهدفة.
ذكرت شركة «زودياك ماريتايم» المملوكة لإسرائيل ومقرها العاصمة البريطانية لندن أن أفراد الطاقم القتلى من بريطانيا ورومانيا، وأن السفينة كانت تبحر بعد ظهر الجمعة تحت حماية حراسة بحرية أمريكية. بعد وصول سفينة إنقاذ عسكرية أمريكية إلى موقع الهجوم، أعقبه صعود أفراد أمريكيين على متن الناقلة للمساعدة فى تحقيقات الطب الشرعى، ومنهم خرج التأكيد أن عدة طائرات دون طيار شاركت فى الهجوم، رغم عدم وضوح عدد الطائرات الفعلى التى نفذت ضرب السفينة بالفعل. واعتبر الجانب الأمريكى -وفق المعلومات الأولية التى رصدتها نقاط المراقبة الاستخباراتية الموجودة لتغطية أحداث تلك المنطقة بتقنيات تكنولوجية قادرة على الرصد الفضائى الدقيق- أن إيران هى من تقف وراء هذا الهجوم، لذلك لم تمضِ ساعات حتى أعلن كل من وزيرى الخارجية الأمريكى والبريطانى تحميل إيران المسئولية كاملة. بل وكشف «بلينكن» فى بيانه الأحد أن الولايات المتحدة تعمل مع شركائها على دراسة الخطوات التالية وتتشاور مع حكومات المنطقة وخارجها، من أجل رد مناسب ووشيك!
بدورها بريطانيا لم تلتفت كثيراً للنفى الإيرانى أن تكون ضالعة فى الهجوم، فما بين الدولتين جولات سابقة فى أمر الناقلات بالخصوص، ولذلك لم يكن وزير خارجيتها بأقل حسماً من نظيره الأمريكى فى الحديث عن الرد المنسق على هذا الهجوم غير المقبول. وقد تلقى الوزير دومينيك راب من نظيره الإسرائيلى تحفيزاً عن ضرورة «الرد القاسى»، خاصة بعد أن مرر له ملفاً يحوى مواد استخباراتية تبرهن ضلوع إيران فى الهجوم، فيما تواصل السلطات البريطانية والأمريكية تحقيقهما المستقل فى الحادث. فى الوقت ذاته يعتزم يائير لبيد نقل المشهد إلى ساحة الأمم المتحدة باعتباره ليس موجهاً ضد إسرائيل أو شركات تابعة لها، بقدر ما يمثل السلوك الإيرانى تهديداً لحرية الملاحة بشكل عام، بهدف محاولة استصدار قرار دولى بفرض عقوبات على الشحن البحرى الإيرانى. إسرائيل تحاول عبر هذا المسار تقييد حرية إيران فى الحركة ضد السفن وشركات الملاحة التابعة لها، فالتقارير الإسرائيلية حددت أن الهجوم الأخير يعد الخامس على سفن أو شركات تابعة مشاركة فيها.
تاريخ حرب الناقلات فى هذه المنطقة يظل متخماً بالوقائع، فإسرائيل الضحية اليوم كانت المبادِرة قبلاً بتنفيذ عديد من الهجمات على سفن وناقلات إيرانية، فقد نفذت وحدات خاصة فى البحرية الإسرائيلية ما لا يقل عن (10 عمليات)، ضد سفن تحمل شحنات إيرانية منذ عام 2019 حتى الآن، والرواية الإيرانية ترتفع بالرقم إلى ما يزيد على (20 سفينة) تعرضت لهجمات نفذت بمعرفة إسرائيل. جرى ذلك وسط التوترات المرتبطة بالصراع فى اليمن وسوريا، حتى اعتبر التصعيد البحرى عرضاً للمواجهة بين إيران وميليشيات «حزب الله» اللبنانى من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. ومؤخراً دخلت ميليشيا الحوثيين طرفاً فى هذا التهديد للممرات البحرية، ببعض من المفخخات البحرية البدائية، التى سرعان ما جرى عليها التطوير القادر على تشكيل إزعاج غير محدود، خاصة مع الموقع الجغرافى الاستثنائى الذى يمكنهم استثماره. استخدمت إسرائيل فى هذا النمط من التصعيد أسلحة تشمل ألغاماً بحرية لضرب السفن الإيرانية أو السفن التى تحمل شحنات إيرانية، بالأخص التى كان يجرى توجهها إلى سوريا عبر طرق مباشرة أو التفافية للهروب من الرقابة الأمريكية، والمعظم منها نفذ فى البحر الأحمر وفى البحر الأبيض وفى مناطق أخرى بالمنطقة. حيث ظلت إيران طوال فترة العقوبات التى فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة، تواصل بيع النفط عبر هذه الطرق من أجل الاستفادة من الأرباح لتمويل الأذرع الموالية لها بمناطق الصراعات.
اليوم بحر العرب يدخل كمسرح جديد لإدارة هذا الصراع، وهو تصعيد بالغ الخطورة، حيث يعد هذا المسار البحرى واحداً من أهم ممرات العالم البحرية تاريخياً، لكن أهميته ازدادت بشكل كبير بعد افتتاح قناة السويس التى تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، جاعلة الطريق بين موانئ آسيا وأوروبا وأفريقيا أكثر سلاسة، ومع التنامى فى اكتشاف وتداول سلعة النفط منحت الممر البحرى الذى يعتبر جزءاً من المحيط الهندى، أهمية جديدة واستثنائية ليصل إلى توصيف «أكثر» ممرات الشحن ازدحاماً فى العالم. حيث يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، كما إن بحر العرب يعتبر المنفذ الأهم لتصدير النفط العراقى والكويتى والإماراتى والسعودى إلى أوروبا وآسيا، ووصول البضائع والشحنات إلى تلك الدول وباقى دول الخليج. لهذا تظل مياه هذا الممر تحمل حجماً هائلاً من المصالح تقدر بمليارات الدولارات سنوياً، تمثل نسبة معتبرة من حركة التجارة العالمية التى تجوب هذا الممر وتعمل عليها موانئ الدول المتشاطئة على هذا المدى الواسع، التى تستثمر فى بنيتها اللوجيستية هى الأخرى مليارات أخرى تخدم على المليارات المتحركة هنا وهناك. وفق تلك المعطيات يبقى هذا النمط من «حروب الظل» غير محددة المكان ولا الزمان، ذا طبيعة مركبة وعالية التهديد بطبيعة تأثير عوارضها الجانبية التى تنقل الخطر بسرعة كبيرة، تماثل سرعة المسيّرات قليلة التكلفة القادرة بتكنولوجيا محدودة، أن ترسم مشهداً جديداً غير محدد الملامح ما بين اليقين والإنكار، يصاحبه تحمل فاتورة باهظة الكلفة على أطراف الصراع، وعلى آخرين ممن أوقعتهم الجغرافيا فى مرمى نيران ليسوا هم صانعى وقودها ولا يملكون لها دفعاً.