«أبرهة».. و«مؤذن الرسول»

انتهت حملة أبرهة، وسريعاً ما أصبحت ذكرى فى عقل ووجدان من عاصروها أو سمعوا عنها، لكن ثمة رجلاً بقى ترجمة لهذه الذكرى على مدار عقود طويلة، وشاهداً على تجربة إنسانية فريدة فى رقيها. إنه المؤذن «بلال بن رباح».

بلال ابن أسيرة حبشية -يرجّح طه حسين فى كتابه «الوعد الحق» أنها كانت ابنة أخت أبرهة- سقطت فى يد رجل من خثعم، بعد أن خرجت القبيلة على جيش أبرهة المنسحب من مكة بعد هجوم الطير الأبابيل عليه، وتمكّن من أسرها، وساقها هدية إلى خلف الجمحى أحد أعيان مكة.

منذ اللحظة الأولى التى أُهديت فيها «حمامة» لخلف انتوى فى نفسه أن يستذلها وأن يجعل منها مادة لانتقامه من خالها «أبرهة» صاحب الفيل الذى أراد جنوده وأهله من الأحباش هدم البيت، فساقها إلى غلام يعمل لديه من مولدى الأحباش، وهو «رباح» وكانت له جذور زنجية، وطلب منه أن يذيقها من صنوف الهوان ما يبعثر كرامتها وكرامة العرق الذى أنبتها، لكن كان للقدر إرادة أخرى، فحين رآها رباح وقعت فى قلبه، فاقترح على سيده طريقة فريدة لإذلالها كأميرة حبشية عظيمة القيمة والمقام بتزويجها منه وهو العبد الزنجى الذى لم يكن يحلم حتى بأن يكون خادماً لها فى قصرها بالحبشة، وكان أن تزوجها.

حملت حمامة من رباح، ورغم حبه لها وفرحه بالوافد الجديد، إلا أنه اهتمّ واغتمّ لأنه لم يرد لابنه القادم أن يصير عبداً من عبيد خلف أو ولده أمية، لكن كلمة الله تمت، وطرق بلال بن رباح أبواب الحياة، لتموت بعد ولادته أمه، ثم يلحق بها أبوه رباح، وينتهى به الحال عبداً من عبيد أمية بن خلف.

كان صدر بلال يضيق بإحساسه بالعبودية، وربما داهمته لحظات شعر فيها بالأسى والحزن على الحال التى هو عليها، واسترجع ما كان يسمعه من أمه عن أنها كانت أميرة وابنة أخت «أبرهة» الخطير الذى يذكره العرب جيداً، ولم يكن يعلم فى هذه اللحظات أن القدر يخبئ له ما هو خير وأبقى.

اندفع «بلال» إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لما سمع برسالته التى تساوى بين البشر جميعاً، وتحمّل من صنوف القهر والتعذيب ما لا يتحمله بشر على يد سيده أمية وهو ثابت الإيمان مطمئن القلب، حتى اشتراه أبوبكر وأعتقه، ليبدأ رحلة البحث عن ذاته فى الإسلام.

خاض بلال، المؤمن بدينه وبحرية الإنسان والحق فى المساواة ما بين البشر، كل المواقف النضالية مع النبى صلى الله عليه وسلم، واختاره النبى ليكون مؤذناً للمسلمين، وظل بلال إلى جواره حتى وفاته صلى الله عليه وسلم.

بعد وفاة النبى اعتزل بلال الناس واستأذن الخليفة أبا بكر فى الخروج إلى الشام ورابط بها، وامتنع تماماً عن الأذان، إذ كان يرى نفسه مؤذن رسول الله. المرة الأخيرة التى أذن فيها بلال كانت عند زيارة عمر بن الخطاب للشام حين ترجّاه الصحابة فى حث بلال على رفع الأذان، فاستجاب الصحابى الجليل وانطلق صوته الرخيم العذب مكبراً، هنالك انهمرت دموع الجميع بالحنين إلى ذكرى وعهد النبى حين كان ينادى بلالاً ويقول له: «أرحنا بها يا بلال».

وإذا كانت الأقدار شاءت أن يكون أصل بلال حبشياً من عائلة «أبرهة».. ونشأته وصباه فى مكة.. وأن يتعلق قلبه بالمدينة.. فقد شاء أن تختتم رحلته فى الشام حيث مات سنة 20 هجرية.