محمود سيف الدين يكتب.. علاء ثابت يحاصر الشائعات

كتب: محمود سيف الدين

محمود سيف الدين يكتب.. علاء ثابت يحاصر الشائعات

محمود سيف الدين يكتب.. علاء ثابت يحاصر الشائعات

لا جدال حول تنوع أساليب الحرب منذ عقودٍ طويلة، فقد غيرت الحروب جلودها، وتحولت من المواجهات التقليدية بالأسلحةِ المعتادة، إلى أسلحةٍ جديدةٍ أشد فتكًا وأكثر تنوعًا، وتأتي الشائعاتُ كظاهرةٍ مجتمعية قديمة، كواحدةٍ من هذه النوعيات والأساليب في الحروب الممنهجة على الأمم المسالمة، خصوصًا مع اتساع رقعة العولمة وانتشار منصات وتطبيقات التواصل عبر العالم، وصيرورة الأرض على رحابة أفقها، قريةً محدودة الأطراف وفي تناول المعلومة، لتصبح مقاتلًا ليس نبيلا في كثيرٍ من الأحيان يسدد خناجر مسمومةً في ظهور الشعوب، وهو ما أكده الرئيس السيسي في أكثر من موقف بأن انهيار الدول يأتي عبر الإحساس بالإحباط وفقدان الأمل بهدف تحرك الشعوب لتدمير أوطانهم، وأن الخطر الحقيقي الذي يمر بالمنطقة هو "تفجير الدول من الداخل عبر بث الشائعات والأعمال الإرهابية".

من هنا يأتي كتاب "الشائعات بين تزييف الأخبار وغزو العقول" للكاتب الصحفي علاء ثابت رئيس تحرير الأهرام، والصادر في مئة وسبعٍ وأربعين صفحةً عن مركز الأهرام للترجمة والنشر في توقيت دقيق، تواجه فيه الأمة هجمات شرسة من قوى الشر في العالم والداعين إلى الفتن، لتقويض مسيرة البناء والتنمية وإحداث الفرقة في نسيج المجتمع، ليدق الكتابُ من خلال فصوله نواقيس خطرٍ في ضمير القارئ، مسلطًا الضوء على الشائعة كظاهرةٍ مجتمعية ظهرت في صور شتى منذ مراحل طفولة الكاتب في صعيد مصر وهذا الزخم الكبير من الأساطير التي اختلطت بحكايات الجدات في قرى الجنوب مرورًا بتحولها لأخبار تحاك حول هذه الحكيات ووصولا لانتشار الحكايات باعتبارها وقائع، موضحًا كيف مرت الشائعة بتطورات عدة منذ طورها البدائي لكشف الظواهر الغامضة لدى الإنسان الأول، وصولا لتحقيق مآرب سياسية وعسكرية، مستفيدة من التقدم الهائل في علوم الاتصالات وتقنيات وبرامج الهواتف المحمولة، إلى أن زادت حبكتها وزاد تأثيرها، فقد تنامت ظاهرة الشائعات في العالم كله وأسدلت غيومها على مناحي الحياة كافة، والحياة السياسية على وجه الخصوص، لتشكل تهيدًا لسلام الأمم، ومعين هذا التهديد من الوقود هو ضعف الوعي في بعض المجتمعات، حتى تحولت إلى أحد أبرز أدوات الحروب الحديثة، أو ما يعرف في الأدبيات الاستخباراتية بـ"الحرب السيبرانية الحديثة"، وتتراوح ما بين الأخبار الكاذبة والقصص المزيفة، التي تحفل بها فضاءات الشبكة العنكبوتية، في عديد من مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد تصدى الكاتب الصحفي علاء ثابت في كتابه "الشائعات بين تزييف الأخبار وغزو العقول" إلى الشائعة كاشفًا جميع جوانبها بدْا من التعريف بها، واصفًا إياها بأنها أكثر مرواغة من الزئبق، مرورا بأبرز وأشهر الشائعات التي انتشرت خلال القرون السابقة والقرن الحالي، والفارق بينها وبين الأسطورة، متعرضًا لما يسمى بلعنة الفراعنة والكائنات الفضائية وأمنا الغولة، والسفاحون وقتلة الأطفال، وخُط الصعيد، وما انتشر من نميمة حول الفنانين والمطربين الكبار مثل أم كلثوم وأسمهان، وحوادث التنقيب غير الشرعي عن الآثار، وغيرها من الشائعات الأخرى، عن لصوص المقابر، وسرقة الآثار باستخدام الأعمال السحرية، والزئبق الأحمر والبخور المغربي، حتى ما انتشر مع ظهور كورونا من أقاويل وشائعات حول الجائحة وتعمد تصنيعها، وأيضًا الشائعات التي ارتبطت بالأنياء عليهم السلام، والفارق الجوهري بين حرية التعبير كقيمة أسمى وإطلاق الشائعة كسلوكٍ منافٍ للقيم الإنسانية، موضحًا كيف واجهت مصر سيلا جارفًا من الشائعات تعرضت لها البلاد في ظل مخطط شارك فيه العديد من الدول الإقليمية والقوى الدولية، والتي شعرت بالسخط من سقوط مشروع تمكين الإخوان، لتحول المنطقة بكاملها إلى أرض محروقة، يسهل السيطرة عليها ابتلاع خيراتها، وقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى حصان طروادة الجديد، الذي تسللت من خلاله آلاف الشائعات، والأخبار المغلوطة، التي كانت سببا رئيسيا في اندلاع ما يسمي بـ"ثورات الربيع العربي"، قبل أن يثبت مع الأيام زيف تلك الشائعات، التي لعبت جماعة الإخوان، وحلفائها من قوى ما يسمي بـ"الإسلام السياسي" دورا كبيرا في ترويجها.لذا يمثل كتاب علاء ثابت وثيقة فاضحة جانبا لجانب من مخطط كبير تعرضت له مصر وعدد من بلدان المنطقة العربية، منبها إلى أهمية الوعي لما يجري في تلك الحروب الحديثة، التي تتحد فيها الأطماع السياسة بسطوة الاقتصاد والتكنولوجيا. وتبقى الشائعات من أخطر الفيروس المهددة لسلام وأمن المجتمعات الإنسانية ، مع اختلاف أساليبها والأهداف من وراء ترويجها، ويظل على الأجيال أن تدرك أن السلاح الأمضى والدرع الواقي من انتشار سرطان الشائعة هو الوعي بكل ما يُحاك لهذا الوطن، والوعي بصورةٍ عامة من أجل المضي في اللعمل وبناء القدرات الذاتية والعامة، لصد هذا الهجوم الكاسح، وكما قال الكاتب في خاتمة كتابه الذي يعد إضافة مهمة للمكتبة العربية " لنكون فاعلين ولسنا متلقين وفي موقع الدفاع، لكننا نحتاج إلى مزيد من الجهد في توفير الأدوات والبنية التحتية والتأهيل والتوظيف المناسب لتلك القدرات الممكنة، ونحولها إلى واقع ملموس، لنكون في مقدمة البلدان الأكثر تأثيرا، والقادرين على المواجهة والفوز في هذا المجال الذي يتطور بسرعة هائلة، وأن نكون على مستوى التحدي والطموحات والإنجازات المتحققة، لتتكامل مسيرة نهضتنا، ونوفر الأمن بكل أشكاله، ونحافظ على تماسك شعبنا العظيم الذي ظل متماسكا دوما في ظل أحلك الظروف، ولديه من مخزونه الحضاري ورؤيته المستقبلية المتطورة ما يمكنه من صناعة مستقبل أكثر إشراقا.


مواضيع متعلقة