مساجد الجمعية الشرعية وأنصار السنة المحمدية

دعك من الأسماء التى يختبئ وراءها المغرضون، ودعك من الشعائر التى يحتمى بها المنافقون. فالمغرور دائماً يمنح نفسه ألقاب الاستعلاء على الغير ويزايد عليه فى دينه، وليت غروره فيما يملك على نفسه وإنما العجيب أنه يمارس غروره على خالقه، فيزعم -كما ذهب البعض- أنه نصير بيت المقدس وكأن الله أرسله لذلك، ولم يكلفه كسائر الخلق بنصرة الحق حيث كان دون تخصيصه ببيت معين، وأن نصرة بيت المقدس ليست بالأسماء أو الشعارات التى يصادر واضعوها بها حقوق الآخرين. ويزعم بعض آخر أنه نصير السنة المحمدية وكأن من لم يكن معه فهو عدو السنة المحمدية، هكذا بمكر اختيار الاسم والشعار يتحول الناس الأبرياء إلى أعداء للسنة المحمدية، ويستولى الماكرون على عقول البسطاء. ويزعم بعض ثالث أنه المتعاون مع العاملين بالكتاب والسنة المحمدية فى دلالة لاتهام الغير الذى لا يتعاون معه بأنه من غير العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، وكأن معيار العمل بالكتاب والسنة لا يرجع إلى اجتهادات الفقهاء المتعددة وإنما يختصر فى تعاون أصحاب تلك الجماعة الذى قد يكون براً وقد يكون إثماً، كما كان الإمام الشافعى يقول عن اجتهاده: «قولى صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرى خطأ يحتمل الصواب». ويزعم بعض رابع أنهم الإخوان المسلمون فى إشارة إلى أن من عداهم سيكون من إخوان الشياطين. وهكذا بالأسماء التى ما أنزل الله بها من سلطان تتم سرقة عقول الناس وقلوبهم من غير كلفة، ولا يكون هذا إلا من صاحب قلب ميت يكذب على ربه وعلى نفسه ويصدق كذبه؛ لأنه مغرور، وماذا ننتظر من المغرورين فى دين الله إلا الاستعلاء فى الأرض دون الاتعاظ بالقرآن الكريم الذى استخدموه سلاحاً لغرورهم على الغير ولم ينتفعوا به فى تهذيب نفوسهم وإلزامها بذواتها حتى لا يتدخل أحد فى شأن أحد إلا بإذنه، ويكون كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن عدى فى «الكامل» من حديث أبى هريرة: «كل بنى آدم سيد»، ولعله أحد وجوه التفسير لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (المائدة: 105). كان استعلاء فرعون على أهل مصر بالدين الذى يحقق مصالحه، وأراد حمل المصريين عليه، وأذاقهم ألوان العذاب حتى ينصاعوا إلى رؤيته الدينية التى يرى نفسه فيها إلهاً. وكانت إرادة الله عز وجل هى تحرير الإنسان من قهره وقهر الآخرين باسم الدين الذى جعله الله حقاً خالصاً لذاته العلية دون توكيله لأحد، فيترك كل إنسان وشأنه فيه بغير إكراه مادى أو معنوى، وما على الرسل أو أهل العلم إلا البلاغ، فأرسل موسى بآياته إلى فرعون ليس لإلزام المصريين باتباع موسى بدلاً من فرعون كما يتوهم المخطئون، وإنما لتحرير المصريين من سطوة فرعون الدينية بإظهار بشريته التى أخفاها بشعار الدين والألوهية. أما موسى، عليه السلام، فقد ترك المصريين أحراراً وأسياداً فى اختيار دينهم؛ كما قال تعالى: «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ» (القصص: 5-6). والتزم موسى، عليه السلام، بمهمته التذكيرية ولم يلاحق قومه بالعذاب عندما انحرف بعضهم بإضلال السامرى، فلم يزد على الموعظة الحسنة؛ لأن التحاسب بالدين لا يملكه أحد سوى الله، ولن يكون إلا فى الآخرة كما قال سبحانه: «كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا* مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا» (طه: 99-101). ابتلى المصريون فى مطلع القرن العشرين الميلادى إبان المحتل الإنجليزى وإصراره على تفتيت الدولة العثمانية، وتسليم حكم مصر ومؤسساتها المحلية للموالين لهم. وفى ظل هذه الظروف الغامضة والمرتبكة فوجئ المصريون بميلاد كيانات دينية إسلامية غير مبررة تتعالى على الأزهر وتتجاهل دوره العلمى التنويرى الذى يضرب فى تاريخ مصر منذ نشأته سنة 970م، ولعل سر بقائه هو التزامه بمنهج الرسل، عليهم السلام، فى التذكير والبيان دون التدخل فى إرادات الناس وحرياتهم. أما تلك الكيانات النشاز فقد ظهرت لتعيد فكر فرعون ونظامه الذى يسوق الناس بالدين الذى يهواه، وليس بالدين الذى جعله الله اختياراً لكل إنسان. وتسلح أصحاب تلك الكيانات بالأسماء والشعارات الدينية الإسلامية حتى يجدوا المبرر لتصفية مخالفيهم، كما تميزوا بزى خاص وشعائر خاصة زعموا أنها الحق وما عداها هو الباطل، وزينوا كياناتهم برئاسة بعض حسنى السمعة لإخفاء القيادات الحركية، وتحصنوا ببناء المساجد التى انفردوا بإدارتها لتكون منابر دينية يبثون من خلالها أفكارهم فى ربوع مصر التى بلغت الآلاف. كانت البداية سنة 1912م بإعلان نشأة «الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية» برئاسة الشيخ محمود خطاب السبكى. ثم فى سنة 1926م أعلن عن نشأة «جمعية أنصار السنة المحمدية» برئاسة الشيخ محمد حامد الفقى. ثم فى سنة 1928م أعلن عن نشأة «الإخوان المسلمون» برئاسة الأستاذ حسن البنا. وأحسن المصريون الظن فى تلك الجمعيات كغيرها من آلاف الجمعيات الخيرية، وتعاونوا معها لحاجة المجتمع المصرى إلى التكافل والتراحم دون الوقوف لتلك الجمعيات الأولى على اختصاصها بمساجد معينة، وعلى تولى كبر بعض المسائل الفقهية الخلافية مثل عدم تسييد النبى صلى الله عليه وسلم فى الأذان، وإلقاء الأذان بالقصر دون المد، ومنع الأذان الثانى فى صلاة الجمعة، ومنع القارئ لسورة الكهف يوم الجمعة، ومنع القنوت فى صلاة الفجر، ومنع تكبير العيد بالصيغة المطولة، وعدم طاعة مفتى مصر فى صيام رمضان وفطره لاتباع دول أخرى فى الصوم بحسب أوامرهم، وتمييز شيوخهم بمذبة فى عمائمهم، أو لبس الغترة التى تستر الرأس وجانبى الوجه مثل دول الخليج، وإلزام الرجال باللحية والنساء بالنقاب، وإعلاء مبدأ «الولاء» لأتباعهم، و«البراء» من مخالفيهم، والفتوى ببدعية الصلاة فى مساجد الأوقاف. وكل من يخرج عن ذلك أو نحوه فهو مبتدع أو ضال؛ حتى نجحوا فى تقسيم المجتمع المصرى بالدين، وهو ما ييسر مهمة الأعداء الخارجيين فى تفتيت مصر، كما قسمت السودان وجار تقسيم العراق وليبيا واليمن، وهى نفس سياسة تقسيم الدولة العثمانية من قبل. وعندما قامت ثورة 25 يناير 2011م ضد الفساد المالى والإدارى فوجئ المصريون باتحاد الكيانات الدينية الإسلامية التى نشأت بغير مبرر ظاهر فى مطلع القرن العشرين (الجمعية الشرعية، وأنصار السنة، والإخوان المسلمون) لتستولى على حكم مصر فى رئاستها وبرلمانها ومفاصل مؤسساتها المدنية بدعم أمريكى تركى قطرى، فأدرك المصريون سر تدشين تلك الجمعيات فى مطلع القرن العشرين وبمباركة من المحتل الإنجليزى حليف الأمريكان، وحرص تلك الجمعيات على اختصاصها بمساجد لاصطياد الأبرياء بزعم تصحيح الدين الذى يهواهم. ولأن مصر محروسة بعين السماء لقضاء الله فى الأزل أن يكون ساكنها إن شاء الله آمناً، كما أن أهلها فى رباط إلى يوم القيامة، فقد هيأهم الله تعالى لاسترداد ثورتهم الإصلاحية فى الثلاثين من يونيو 2013م وإعادة مصر لدين الله الذى هو لكل إنسان، وليس لدين الإخوان أو أتباعهم بثمن ليس بخساً. ولكن الدرس الذى لا ينسى هو ما غفلنا عنه يوم أن تركنا للجمعية الشرعية وأنصار السنة حق إنشاء المساجد وإدارتها على الوجه الذى قسم المصريين إلى سنى وبدعى، أو إلى شرعى وكافر، أو إلى ملتزم وغير ملتزم. ونسينا تحذير القرآن الكريم من مساجد الضرار التى أنشأ باكورتها أول مرة «جماعة من السلف» بحسب تعبير الإمام الجصاص (المتوفى 370 هـ الموافق 930م) فى تفسيره «أحكام القرآن»، وكانت تلك الجماعة السلفية مكونة من اثنى عشر رجلاً من الأوس والخزرج برئاسة أبى عامر الراهب الذى لقب بعد ذلك بالفاسق، يعنى أن تلك الجماعة السلفية كانوا ممن يدخلون فى اسم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنشأوا مسجداً بعد مسجد قباء وطلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلى فيه كما صلى فى مسجد إخوانهم بقباء، وقد برروا بناء مسجدهم بأنه لتقريب المسافة على ذوى العلة والحاجة خاصة فى الليلة المطيرة أو الشاتية. يقول الواحدى فى «أسباب النزول»: «فدعا النبى صلى الله عليه وسلم بقميصه ليلبسه فيأتيهم فنزل عليه القرآن الكريم وأخبر الله عز وجل خبر مسجد الضرار وما هموا به». هكذا كان سيستغل هؤلاء السلف مسجدهم الضرار فى ثلاثة أشياء: (1) تكفير المسلمين الذين لا يوالونهم. (2) تفريق المسلمين جماعات وشيعاً باسم الدين. (3) استقبال الأعداء الذين يحاربون الله ورسوله، فقد قال أبوعامر الفاسق زعيم مسجد الضرار لأصحابه: «استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا مسجداً فإنى ذاهب إلى قيصر فآتى بجند الروم فأخرج محمداً وأصحابه». وأنزل الله تعالى قوله: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» (التوبة: 107-108). وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآيات بهدم مسجد الضرار ليقطع الطريق أمام المنافقين المختبئين فى المزايدة بالدين، والمتحصنين باسم المسجد، والداعين للفرقة به. وليس لنا بعد عودة مصر إلى أهلها إلا أن تتولى وزارة الأوقاف الوطنية شئون المساجد جميعاً، وتجعلها لله فى خدمة الإنسانية بغير عصبية سياسية؛ لأن الله تعالى هو رب كل الناس، ودينه كمساجده لهم جميعاً من غير وصاية أحد على أحد؛ فهم كلهم على الله كرماء، كما قال سبحانه: « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ» (الإسراء: 70).