الحق في التنمية.. توظيف سياسي إثيوبي ورد واعٍ مصري

أزمة السدود الإثيوبية التى تشغل بالنا جميعاً لها شق دعائى لا يقل أهمية عن التحركات الدبلوماسية وإجراء المناورات العسكرية وعقد اتفاقيات التعاون مع دول حوض النيل. بيان ذلك أن الدعاية الإثيوبية عملت لفترة طويلة على محاولة تشويه الدور المصرى فى القارة السمراء، وتصويره كدور استعمارى يكره تنمية شعوب أفريقيا ويستنزف مواردها المائية بغير حق. ومنذ مطلع القرن الحادى والعشرين استطاعت الدعاية الإثيوبية أن تروّج للعديد من المقولات الكاذبة فى المجالين الأفريقى والدولى بشأن النيل الأزرق والحقوق المائية المصرية والدور المصرى فى أفريقيا. وفى اعتقادى أن حجر الزاوية فى الدعاية الإثيوبية هو الترويج على نطاق واسع بأن «أديس أبابا» تهدف من وراء ما تطلق عليه «سد النهضة» إلى العمل على تنمية نفسها من خلال إنتاج الكهرباء وتطوير حياة الإثيوبيين، والزعم بالتالى أن مصر لا تهتم ولا تراعى حق الأفارقة فى التنمية. وفى الإطار ذاته، فإن الدعاية الإثيوبية لا تتوقف عن الزعم بأن «أديس أبابا» لا تسعى إلى الإضرار بمصالح مصر والسودان، لكنها تريد فحسب الاستفادة القصوى من مواردها المائية، مؤكدة أن السد سيوفر الطاقة الكهربائية لخمسة وستين مليوناً من مواطنيها.

وفى مواجهة ذلك، أحسنت القيادة السياسية المصرية صنعاً بالتأكيد مراراً وتكراراً أن مصر التى بذلت الكثير من أجل استقلال الدول الأفريقية لا تمانع مطلقاً فى بناء السدود، وتؤيد حق الشعوب الأفريقية فى التنمية، وأن الحكومة المصرية لا تعارض مطلقاً السد الإثيوبى بحد ذاته، لكنها تخشى من التداعيات المحتملة على تدفق مياه النيل إذا رفضت إثيوبيا التوقيع على اتفاقية ملزمة قانوناً حول كيفية إدارة السد، وتخشى بالتالى أن يقضى السد على الزراعة المصرية ويدمر مساحات شاسعة من أراضيها الصالحة للزراعة، ما يتسبب فى جفاف شديد وبطالة واسعة.

ولم تكتف الحكومة المصرية بالتصريحات المؤيدة لحق دول حوض النيل فى التنمية، وإنما عمدت إلى التدليل بشكل عملى على صدق نواياها فى هذا الصدد. وهكذا، ربطت مصر شبكتها الكهربائية الخاصة بها بشبكة السودان، وثمة خطط جارية لربط شبكات السكك الحديدية أيضاً، ونوايا لتشغيل خدمة قطار من الإسكندرية إلى كيب تاون فى جنوب أفريقيا. وثمة مثال آخر أكثر دلالة، ويتعلق بالتعاون مع دولة تنزانيا، حيث تستثمر مصر بكثافة فى سد «جوليوس نيريرى» الهائل لتوليد الطاقة الكهرومائية على «نهر روفيجى».

إن الهدف الحقيقى للاستراتيجية الإثيوبية هو احتكار المياه وتحويلها إلى سلعة وسلاح مدمر لحياة الآخرين. ولا شك أن الحق فى الحياة يسبق الحق فى التنمية، ولا يمكن أن يتساوى معه فى الأهمية. ولا يجوز بالتالى أن يكون حق الشعب الإثيوبى فى التنمية على حساب حق الشعب المصرى فى الحياة. وإذا كانت الحكومة الإثيوبية تتكلم عن الحق فى التنمية، فإن ذلك يكون من خلال إبداء حسن النية والتعاون مع دولتى المصب، وصولاً إلى تحقيق المنفعة المتبادلة. وكما يقول إعلان الحق فى التنمية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن من واجب الدول أن تتعاون بعضها مع بعض فى تأمين التنمية وإزالة العقبات التى تعترض التنمية. وينبغى للدول أن تستوفى حقوقها وتؤدى واجباتها على نحو يعزز عملية إقامة نظام اقتصادى دولى جديد على أساس المساواة فى السيادة والترابط والمنفعة المتبادلة فيما بين جميع الدول، ويشجع كذلك مراعاة حقوق الإنسان وإعمالها. كذلك، يؤكد الإعلان على أن إعمال الحق فى التنمية يقتضى الاحترام التام لمبادئ القانون الدولى المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون فيما بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة.