عبدة الشيطان

لعلك تذكر الجدل الصاخب الذى أثير عن مجموعات عبدة الشيطان منذ ما يزيد على عقدين من الزمان، حين خرج مجموعة من الشباب عام 1997 وأقاموا حفلة رقص صاخبة على أنغام موسيقية مفزعة، وتسببوا فى رعب وفزع المحيطين بهم فى مصر الجديدة.

من حين إلى آخر كانت وسائل الإعلام تتداول أخباراً عن حفلات شبيهة يقيمها شباب، ينتمى أغلبهم إلى الشريحة العليا والطبقة المتوسطة، أو يتجاوزها إلى الشريحة المخملية، وظلت الحال كذلك حتى بدأت الظاهرة تتسرب إلى شباب الطبقات الاجتماعية الأقل، لنسمع عن حفلة شبيهة تم تنظيمها على هامش عقد قران شهدته محافظة المنصورة.

الفيديوهات التى نقلت وقائع ما حدث فى المنصورة تصور عدداً من الشباب كشف أغلبهم نصفهم الأعلى وأمسكوا بأنابيب مطافى وبوتاجاز يطلقون الدخان والنار منها، ونشروا مجموعة من الصور الكبيرة التى رسم عليها مسخ الشيطان والدماء تقطر من فمه.

أثارت الموسيقى والحركات والرقصات ومشاهد الدخان والنيران المندفعة رعب وفزع كل من حضر الفرح، واختتم المشهد البائس بالأنبوبة المشتعلة لتصيب فتاتين، توفيت إحداهما، وأصيبت الأخرى بجراح خطيرة.

إنه العنف البائس الذى بدأ يتسرب إلى أجيال مختلفة من الشباب، فيحيلهم من أنفس سوية طبيعية إلى أنفس خاضعة لهواها فى «إيذاء غيرهم»، إنه الخضوع لشيطان الغضب واليأس والانهزام وترجمته فى مجموعة من السلوكيات الشاذة الهستيرية.

فى تقديرى لا يوجد شىء اسمه عبادة الشيطان، فإبليس النفس البشرية ليس معبوداً، وما يحدث فى مثل هذه الأحوال أن تجد بعض الشباب يتمثلون فى سلوكهم عدداً من القيم التى يمكن وصفها بـ«الشيطانية».

فى عدة مواضع داخل القرآن الكريم تجد إشارات إلى طبيعة المنظومة القيمية التى تحكم ما تصالح الناس على وصفهم بـ«عبدة الشيطان»، منها الخوف من الفقر والميل إلى الفحشاء: «الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ»، والتغفيل والاستغفال ودفع الشخص إلى الوقوع فى الخطأ: «إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا»، والضلال: «وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا»، والوعود الواهمة: «يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً»، وتزيين العمل السيئ: «وَلكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».

قيم أخرى متنوعة عبّر عنها القرآن وألحقها بمنظومة القيم الشيطانية التى تتلبس الفرد فتحيله إلى «سفير جهنم» يفسد ويؤذى ويضل ويوهم ويعد ويمنى ويزين للإنسان سوء عمله فيرى السيئ حسناً.

المشكلة أن الثقافة المعاصرة التى ولدتها التكنولوجيا الجديدة تهيئ الأرض الخصبة لانتشار مثل هذه القيم، وتزيد من قدرتها على التسرب إلى الأطياف المختلفة من الشباب المصرى، وهو بالتبعية جاهز بفعل ظروف عديدة معقدة ومتشابكة لاستقبال هذه القيم.

جوهر الخطر فى واقعة المنصورة أنها تؤشر إلى سيطرة حالة من الغضب على بعض القطاعات الشبابية، مع وجود استعداد لدى الغاضبين لترجمة إحباطهم إلى سلوكيات عنيفة توقع الأذى بالآخرين، ووصول القيم الشيطانية إلى القطاعات الأقل حظاً على مستوى الاقتصاد والثقافة والتعليم ينذر بخطر أكبر لا بد من أخذه فى الاعتبار.

الشباب فى حاجة إلى توعية وتربية وأمل ومساحات حرية يعبرون فيها عن أنفسهم بدلاً من التعبير بالتخريب فى إطار المساحات المتاحة!