نور 30 يونيو الذي أعاد مصر
مجريات الأسبوعين الأخير من يونيو والأول من يوليو عام 2013 لا تتعلق بتوجه سياسى أو بإيمان أيديولوجى أو تفضيل بين اختيارات حزبية مطروحة أو حتى أنواع حكم مختلفة. مجريات الأسبوعين كانت تندرج وستظل مصنفة باعتبارها محاولات إنقاذ وطن ومواطنين. الأوضاع فى مصر فى هذه الفترة لم تكن تحتمل رفاهية الخلافات السياسية أو إمكانيات الأفضليات الأيديولوجية. كانت مصر أشبه بالمريض المحتضر الذى يصر الحانوتى على المضى قدماً فى إجراءات الدفن، فى حين يتشبث الأهل بمحاولات إبقائه على قيد الحياة. وقيد الحياة هو ما جرى فى الفترة من 30 يونيو إلى 3 يوليو 2013، وما جرى فى هذه الأيام انتشلنا من عمق البالوعة.
إنها البالوعة التى انفجرت فى وجوه الجميع. تمثلت فى مشروع جماعة إرهابية للهيمنة، وتبلورت آمال جماعات دينية أخرى خرجت إلى نور الحياة فى عتمة إهمال مصر وتغييب المصريين وإلهائهم بصغائر الأمور وسفاسف الحياة تحت مسميات دينية تارة وكروية تارة أخرى واقتصادية فى كل الأوقات. ولم يخلُ الأمر من رضا أو تراضٍ غربى لمشروع التمكين الإخوانى تحت مسميات مختلفة تتراوح بين «الاحتكام للصناديق» حتى لو كان الاحتكام يعنى دمار الأوطان وتشتت العباد، أو «الإسلام الوسطى المعتدل صديق الغرب» أفضل من أنماط وأشكال أخرى من الحكم غير مأمونة العواقب لهم. وعقب صعود الجماعة لسدة الحكم، بدت مصر غير مصر التى يعرفها الجميع. صحيح أن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والشكلية كانت قد بدأت منذ سنوات فى الحدوث، لكن صعود المرشد وجماعته ومندوبها فى القصر الرئاسى للحكم وضع مصر فى خانة «اللى يروح مايرجعش».
لكن مصر عادت بفضل «30 يونيو» وثورة الإرادة الشعبية المصرية على حكم الجماعة وأبناء عمومتها من حرامية الأوطان وناهبى الهويات ومخربى العقول ومدمرى الانتماءات الوطنية، ممن هددوا ونفذوا وعودهم بالحرق والتخريب والتفجير والتفكيك طالما عصابتهم ليست جاثمة على صدورنا. ما جرى فى 30 يونيو وتكلل بالبيان الأهم فى تاريخ مصر «بيان 3 يوليو 2013» سيظل محفوراً فى قلوب وعقول من يعقلون. فرق كبير بين أن تعارض وتطالب بحياة سياسية قائمة على التعددية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبين أن تعافر من أجل أن تكون قادراً على الشهيق والزفير فى بلد لم يعد يحمل سمات الوطن. أيام قليلة ونحتفل ونحتفى وننحنى للمصريين الذين أيقنوا أن نزولهم الشارع مسألة حياة وطن وأبناء وأحفاد، أو موت محقق للجميع تحت مسمى وهمى هلامى مختلق يدغدغ مشاعر البسطاء اسمه «حكم الدولة الدينية»، حيث «أول رئيس ملتحٍ أتت به الصناديق، وأول سجادة صلاة تدخل القصر الرئاسى» وغيرها من أدوات الضحك على الذقون بالذقون.
شوارع مصر شهدت الكثير، وفى مثل هذه الأيام قبل ثمانى سنوات كان الاستنفار على أشده والاحتقان فى أقصاه؛ شعب الإخوان والتنظيمات المناهضة للدولة فى مواجهة شعب مصر بألوانه وأطيافه وانتماءاته المتعددة وحتى المتضاربة، لكنه مجتمِع على الحق فى دولة مدنية لا دولة ملالى ووسطاء لإلحاق السادة المواطنين بالباص المتجه إلى الجنة.
ستظل «30 يونيو» تاجاً على رأس كل مصرى ومصرية شارك فيها أو آمن بها. وستظل «30 يونيو» الحدث الذى أنقذ مصر والمصريين. وستظل كذلك نقطة البداية وليست النهاية لإكمال عملية الإنقاذ بإعادة بناء الإنسان المصرى بعد عقود من السكوت على ما جرى فى الدولة الموازية التى أخرجت لنا محتويات البالوعة.