رؤيتي لبلادي.. مصر فوق السحاب (14) الخطة والموازنة

لا تزال مصر محافظة على وجود ما يسمى بخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوارثة منذ ستينات القرن الماضى، فى ذروة الحديث عن «حتمية الحل الاشتراكى»، وتبنى سياسات التخطيط المركزى، وتضخّم القطاع العام واضطلاعه بالدور الرئيسى فى إدارة الاقتصاد. وتضمن كل من دستورى 1964 و1971 نصوصاً تضمن ذلك، إلى أن تم تعديل دستور 1971. ومن المثير للدهشة أن يستمر العمل بالآليات نفسها بعد كل التغييرات الجوهرية التى شملت تراجع دور القطاع العام أو قطاع الأعمال العام لصالح القطاع الخاص منذ منتصف السبعينات من القرن الماضى. وظلت الموازنة العامة للدولة تتضمّن باباً يُسمى باب الاستثمارات، وإن تغيّر ترتيبه من الباب الرابع إلى الباب السادس، دون تغيّر فى المضمون.

يتضمّن هذا الباب السادس، الرابع سابقاً، الإنفاق على المنشآت العامة، مثل المدارس والمستشفيات ومراكز الشباب وقصور وبيوت الثقافة ومشروعات البنية الأساسية مثل الطرق والكبارى والأنفاق والمطارات والموانئ والمياه والصرف الصحى. ويتم تمويل تلك المشروعات من بنك الاستثمار القومى (الموروث منذ الستينات من القرن الماضى)، والذى توضع لديه حصرياً حصيلة التأمينات المستقطعة من العاملين فى الحكومة والقطاعات والهيئات العامة والخاصة.

وقد جرى العمل عند وضع الخطة فى كل قطاع إلى تحديد عدد إجمالى من المشروعات فى هذا القطاع يستهدف تنفيذها خلال سنوات الخطة الخمسية، وتقسيم هذا العدد الإجمالى المستهدف على سنوات الخطة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت الخطة تستهدف إنشاء مائتى مستشفى أو ألف مدرسة للتعليم الأساسى خلال خمس سنوات؛ يتم توزيع هذا العدد بواقع أربعين مستشفى ومائتى مدرسة خلال كل سنة من سنوات الخطة الخمس.

يبدو هذا التصور للوهلة الأولى منطقياً، بيد أنه يؤدى فى معظم الأحيان، رغم صدق النيات، إلى إهدار مبالغ طائلة من موارد الدولة. فقد جرت العادة على البدء بإنشاء العدد المستهدف فى السنة الأولى من الخطة، وتنتهى السنة المالية الأولى دون إتمام أىٍّ من تلك المستشفيات أو المدارس. ويتم فى العام الثانى البدء فى إنشاء العدد المستهدف فى العام المالى الثانى من الخطة، وهكذا حتى ينتهى العام الخامس، أى تنتهى سنوات الخطة بأكملها. وفى معظم الحالات، تنتهى سنوات الخطة الخمس دون استكمال المنشآت التى تم البدء فى تشييدها، وفى أفضل الحالات، يتم الانتهاء من نصف المستهدف، ويتم ترحيل المستشفيات والمدارس وغيرها من المنشآت العامة إلى الخطة اللاحقة، بما يتضمّنه ذلك من زيادة مطردة فى تكاليف الإنشاء بسبب ارتفاع الأسعار عما كانت عليه وقت البدء فى الإنشاء. وتُعد تلك الطريقة فى تنفيذ المنشآت العامة وكل المدارس والمستشفيات والكبارى ومشروعات المياه والصرف الصحى السبب الرئيسى لاستمرار العمل فى الكثير منها لعدة سنوات، وعدم الاستفادة منها، رغم الأموال الطائلة التى يتم إنفاقها من الموازنة العامة.

وللقضاء على تلك الظاهرة السلبية يقترح أولاً، التخلى عن فكرة التخطيط لتنفيذ مشروعات إنشائية يتم تنفيذها خلال عدد من السنوات. ثانياً، الالتزام بتحديد المستهدف تنفيذه من منشآت عامة (مدارس، مستشفيات، كبارى على النيل وفروعه أو على الطرق، مراكز شباب، قصور ثقافة، مشروعات المياه والصرف الصحى.. إلخ) خلال كل عام مالى، والالتزام الدقيق بذلك، بحيث تدخل هذه المنشآت الخدمة مع نهاية العام المالى. ثالثاً، عدم المغالاة فى تحديد المشروعات المستهدف إنشاؤها خلال كل عام مالى، حرصاً على عدم إهدار الأموال العامة فى مشروعات تستمر فترة تنفيذها مدداً طويلة. رابعاً، فى حالة وجود مشروعات شديدة الضخامة لا يمكن تنفيذها خلال عام مالى واحد، يتم تحديد المدة المقرّرة للتنفيذ وتحديد المخصّص لتلك المشروعات خلال عامين ماليين أو ثلاثة أعوام على أقصى تقدير. تستهدف تلك المقترحات القضاء على التأخر الشديد فى الانتهاء من الكثير من المشروعات الحيوية وما يترتب عليه من إهدار الأموال العامة، وتأخر تلك المشروعات فى تقديم الخدمات المستهدَفة من إنشائها فى التعليم أو الصحة أو غيرها لملايين المواطنين المصريين.