رؤيتي لبلادي.. مصر فوق السحاب (12) الخدمات الصحية
تُعتبر الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، إلى جانب الخدمات التعليمية، أكثر الخدمات العامة أهمية، وأقواها تأثيراً على درجة رضا المواطنين عن أداء النظام السياسى. وثمة شبه إجماع على عدم رضا أغلبية المواطنين، لا سيما فى الريف وفى المدن الصغرى وفى الأحياء الشعبية فى المدن الكبرى، عن جودة الخدمات الصحية المتاحة لهم، على الرغم من الجهود الهائلة والارتفاع المطرد فى حجم الإنفاق على الصحة فى الموازنة العامة للدولة، وعلى الرغم من التحسن المستمر فى المؤشرات الصحية المعتمدة دولياً. وثمة حالات نجاح تستحق الثناء والتقدير، مثل تطوير مرفق الإسعاف، وحملات التطعيم للأطفال، وعلاج مرضى فيروس «سى» وغيره من الأمراض. ويرتبط عدم الرضا بالأساس بأسلوب إدارة تقديم الخدمات الصحية للمواطنين من غير القادرين ومتوسطى الدخول بالأساس، الذين يمثلون الأغلبية العظمى من المواطنين المصريين. وثمة عدد من المقترحات لتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. أولاً، التركيز على وحدات الرعاية الصحية الأولية فى جميع القرى والأحياء الشعبية، وذلك من خلال تحويل الوحدات الصحية القائمة إلى وحدات رعاية صحية أولية، أو إنشاء وحدات رعاية جديدة فى القرى والأحياء الشعبية المحرومة من هذه الوحدات. ثانياً، تدريب الأطباء الجدد على خدمات الرعاية الصحية الأولية وتكليفهم للعمل فى هذه الوحدات خلال مدة التكليف. ثالثاً، حصر المستشفيات المنتشرة فى محافظات الجمهورية، ووضع معايير تضمن العدالة فى توزيع الخدمات الصحية بين الوحدات المحلية والمراكز والأقسام والمحافظات. ويُعد معيار عدد السكان فى الوحدة المحلية والمركز أو القسم، والمحافظة، بالإضافة إلى معيار المساحة التى تغطيها المستشفيات أهم المعايير الموضوعية فى توزيع الخدمات الصحية. رابعاً، تطوير أو إنشاء مستشفى واحد على الأقل، وفقاً لعدد السكان، فى عاصمة كل محافظة تتوافر به جميع الخدمات، بحيث لا تكون هناك حاجة لنقل أى حالات إلى مستشفيات القاهرة، إلا فى الحالات النادرة والاستثنائية. وقد تكون المستشفيات الجامعية المنتشرة فى كليات الطب بالجامعات فى عواصم معظم المحافظات هى المؤهلة للقيام بتلك المهمة. خامساً، تطوير أو إنشاء مستشفى واحد فى كل مركز أو قسم تتوافر به معظم الخدمات الصحية العادية، بحيث لا تُنقل إلى مستشفى عاصمة المحافظة إلا الحالات الأشد خطورة. سادساً، تطوير أو إنشاء مستشفى واحد فى كل وحدة محلية تتوافر به الخدمات الصحية التى تتجاوز إمكانيات وحدات الرعاية الصحية الأولية ولا تحتاج إلى الذهاب إلى مستشفى المركز. سابعاً، توحيد الإمكانيات المادية (مثل وحدات الرعاية المركزة ووحدات غسيل الكلى وغيرهما)، والبشرية (مثل أعداد الأطباء ودرجات خبراتهم وتخصصاتهم وأطقم التمريض والإسعاف) المطلوب توفيرها فى كل مستوى من المستويات السابق الإشارة إليها، والتطبيق الصارم لذلك. ثامناً، الاستمرار فى تكليف خريجى وخريجات كليات القطاع الطبى (الطب وطب الأسنان والصيدلة) وتعيين الممرضات والمسعفين فى وحدات الرعاية الصحية الأولية. تاسعاً، إعادة النظر فى أسلوب تقديم الخدمات الصحية فى الأنواع المختلفة من المستشفيات الحكومية التى تتبع وزارة الصحة أو غيرها من الوزارات والهيئات الحكومية. عاشراً، إعادة النظر جذرياً فى فلسفة التأمين الصحى المطبق فى مصر، وهو ما سوف نتناوله بالتفصيل فى المقال القادم إن شاء الله.عاشراً، إعادة النظر فى نظام التأمين الصحى المطبق فى مصر منذ عدة عقود، والذى تم تعديله جزئياً بقانون التأمين الصحى الشامل الصادر عام 2018. فقد تم التعامل مع التأمين الصحى للمواطنين باعتباره نشاطاً يضطلع به الأطباء والمتخصصون فى تقديم الخدمات الصحية، وليس عملاً يقوم على تنظيمه وإدارته المتخصصون فى التأمين، مثله فى ذلك مثل مجالات التأمين الأخرى. وتم التوسع فى إنشاء مستشفيات ضخمة للتأمين الصحى، وتم إنفاق مبالغ طائلة فى شراء الأجهزة والمعدات، وتعيين أعداد كبيرة من الاستشاريين والأطباء وأطقم التمريض والإسعاف والإداريين والعمال، ومع ذلك لم تتمكن الهيئة من الاضطلاع بالمهمة المنوطة بها بالطريقة التى تُرضى أغلبية المواطنين الذين يشملهم نظام التأمين الصحى، دون الحديث عمن لم يحظوا بهذه الخدمة. ولم يترتب على إصدار قانون التأمين الصحى الشامل عام 2018 تغيير جوهرى فى طبيعة الهيئة المشرفة على عملية التأمين الصحى من هيئة صحية إلى هيئة تأمينية، ناهيك عن المدة الطويلة التى سوف ينتظرها معظم المواطنين حتى تصل مظلة التأمين الصحى الشامل إليهم بعد عدة سنوات، وعن استمرار تأثير السلبيات المتوارثة من هيئة التأمين الصحى السابقة على الهيئات المستحدثة فى القانون الجديد. ويكمن الحل الجذرى، من وجهة نظرنا، فى عدد من المقترحات هى: (أ) ضرورة إدارة منظومة التأمين الصحى الشامل من خلال شركة تأمين متخصصة وليست هيئة صحية. (ب) قيام جميع العاملين فى الحكومة وقطاع الأعمال العام والقطاع الخاص والقطاع غير الرسمى بالاشتراك فى نظام التأمين الصحى المقترح لدى الشركة التى تدير نظام التأمين. (ج) قيام الحكومة بتخصيص نسبة يُعتد بها من حجم الإنفاق على الصحة لسداد اشتراكات جميع غير القادرين على سداد الاشتراك مثل الأطفال والطلاب والمتعطلين عن العمل. (د) تحويل مستشفيات التأمين الصحى إلى مستشفيات عادية تقدم خدمات صحية مثل باقى المستشفيات الأخرى. (هـ) يتلقى المواطن الخدمات الصحية من جميع المستشفيات (وفقاً للخدمة الصحية المطلوبة)، وتقوم شركة التأمين بسداد مقابل الخدمة من حصيلة الاشتراكات. (و) يشمل التأمين جميع أنواع الخدمات الصحية بما فى ذلك إجراء أكبر العمليات الجراحية، اتساقاً مع نص الدستور حول الحق فى الصحة وفى الرعاية الصحية المتكاملة، وعلى التزام الدولة بإقامة نظام تأمين صحى شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض
.د. محمد صفى الدين خربوش يكتب: