كيف انتصرت فلسطين؟

فى عام 2010، صدر كتاب للباحث المختص فى الشئون الاستراتيجية ديفيد جونسون، عن مركز «راند» للبحوث فى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو مركز له باع طويل فى تحليل السياسات العسكرية والأمنية، منذ نشأ كذراع بحثية لسلاح الجو الأمريكى. أما عنوان الكتاب فقد كان «القدرات العسكرية للحرب الهجينة.. رؤى من جيش الدفاع الإسرائيلى فى لبنان وغزة»، حيث سعى الباحث لتحليل مدى استجابة الجيش الإسرائيلى لتحديات جديدة فرضتها القوى المتحاربة معه على بيئة القتال، وهى التحديات التى وصفها بـ«الهجينة».

وبعد هذا التاريخ، صدر كثير من البحوث والمقالات فى العالم الغربى، سعياً لتحليل عناصر المواجهة التى تكرّرت أربع مرات خلال 13 سنة على جبهة غزة مع إسرائيل، فضلاً عن المواجهات التى خاضتها الدولة العبرية على جبهة لبنان مع ميليشيا «حزب الله» اللبنانى.

من بين هذه الأبحاث المهمة أيضاً الدراسة التى صدرت عن «مبادرة أصدقاء إسرائيل»، فى يونيو 2018، تحت عنوان «استجابة إسرائيل لتهديد حرب حماس الهجينة»، وقد انضمت إلى عشرات الأبحاث الأخرى التى سعت إلى الإجابة عن السؤال: لماذا تُهزم إسرائيل القوية من منظمات ضعيفة مثل «حزب الله» و«حماس»؟

وفى معظم تلك الدراسات يمكن ببساطة رصد الطرح التالى: خصوم يستخدمون أدوات «الحرب الهجينة» فى لبنان وغزة، يستطيعون تحقيق انتصارات على جيش نظامى قوى يُصنّف بين أقوى جيوش العالم، رغم أنهم لا يتوافرون سوى على قدر محدود من التدريب والتنظيم والتسليح، ورغم أنهم يعملون بين الناس.

على مدى 11 يوماً فى الشهر الحالى وقعت المعارك الدامية بين «حماس» وبعض منظمات غزة المسلحة من جانب، وإسرائيل من جانب آخر، ورغم أن الخسائر البشرية والمادية التى مُنى بها قطاع غزة كانت كبيرة وموجعة بما لا يقاس بخسائر إسرائيل فى هذا الصدد، فإن التقييم الذى أمكن استخلاصه من الصحافة الإسرائيلية نفسها يشير إلى نتيجة واضحة.. هزيمة إسرائيل.

سيمكن اعتبار أن ما تكتبه الصحافة الإسرائيلية جزء من آليات النقد الذاتى التى يمكن أن تنحو إلى المبالغة، أو بعض ملامح المعركة التى يخوضها قطاع من الجمهور والأحزاب ووسائل الإعلام ضد رئيس الوزراء نتنياهو، سعياً إلى الضغط عليه لإفشال خططه للبقاء فى السلطة. لكن الأمر لا يقتصر على الصحافة الإسرائيلية وحدها فى ما يتعلق بهذا التقييم، إذ تفيد المتابعة الدقيقة لما يرد فى ردود الفعل الدولية ومسارات الرأى العالمى ومعالجات الإعلام الجماهيرى فى مناطق كثيرة من العالم بأن «حماس» حققت أهدافها من هذه المنازلة، وأن إسرائيل باتت فى موقف أصعب نتيجة لعمليات القتال.

وتأكيداً لذلك المنحى، فإن الحديث يجرى اليوم عن تغيير جوهرى فى النظرة العالمية إلى إسرائيل، وصعود اتهامات لها بأنها «دولة فصل عنصرى»، ومطالبات بمساعدات إنسانية لقطاع غزة، فضلاً عما وُصف بأنه «تغيير مزلزل فى مواقف الحزب الديمقراطى الأمريكى تجاه القضية الفلسطينية». وبموازاة ذلك تظهر إشارات جديدة من دولة أوروبية منحازة إلى إسرائيل بوضوح مثل ألمانيا، التى أعلنت قبل يومين إمكانية إجراء مفاوضات غير مباشرة مع «حماس»، رغم أن تلك الحركة مصنّفة إرهابية أوروبياً، فضلاً بالطبع عن تشديد الرئيس الأمريكى بايدن على تبنى دولته لـ«حل الدولتين».

يقودنا هذا إلى محاولة تحليل الطريقة التى خاضت بها «حماس» وحلفاؤها تلك المنازلة ضد إسرائيل، والتى أثمرت فوزاً حققه منافس «ضعيف» ضد عدوه «القوى»، أى «الحرب الهجينة».

و«الحرب الهجينة» يمكن تعريفها ببساطة بأنها «استراتيجية عسكرية تجمع بين الحرب التقليدية، والحرب غير النظامية، والحرب السيبرانية»، وهى أيضاً «الهجمات التى تُستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية، وحرب المعلومات»، أو هى «توليفة من أنواع مختلفة من التهديدات، تتضمن استخدام الوسائل التقليدية والتخريبية والسيبرانية».

سيكون بمقدورنا أن نُعرّف معظم الحروب التى جرت قبل الحرب العالمية الأولى بأنها «حروب تقليدية»؛ إذ ينتظم الجيشان المتقاتلان فى جبهتين متقابلتين، تم تحديدهما سلفاً، ويستخدم كلاهما أنواعاً متقاربة من الأسلحة، ويتم حسم المعركة من خلال القدرة على إيقاع أكبر قدر من الخسائر فى القوة المعادية، بما يجبرها على تقديم تنازل، أو يحملها على الاستسلام.

إذا حاربت «حماس» إسرائيل بتلك الطريقة فإنها ستنهزم هزيمة ساحقة بكل تأكيد، لكن الحروب أخذت تتلون لاحقاً، وتتخذ أشكالاً مختلفة؛ وهو الأمر الذى واكبه التنظير الخاص بتقسيم الحروب وتمييزها إلى أجيال.

مع بروز مصطلح «الحرب الهجينة» ومعاينة أثره فى واقع الحروب، لم يعد مفهوم الحرب مقتصراً على العمليات الحربية فى جبهات القتال؛ إذ اختفت الحدود الفاصلة بين حالة الحرب واللاحرب، وبين المقاتل والمدنى، وبين الأدوات والوسائل الاجتماعية وآليات القتال.

ومن ذلك أن «حماس» نجحت فى تحقيق أهدافها فى هذه المعركة، لأنها استخدمت خليطاً من الأسلحة التى شملت الصواريخ، والمتفجرات، والطائرات المسيرة، والتظاهرات، والمقاتلين المتسللين خلف خطوط العدو، والهجمات السيبرانية، وصور ضحايا القصف، واستخدام «السوشيال ميديا» والإعلام الجماهيرى، واستخدام العدو نفسه فى تحطيم روحه المعنوية، والتركيز على المظلومية وإبراز ملامحها.

غيّرت «الحرب الهجينة» مفاهيم الضعف والقوة فى المنازلات العسكرية، ولهذا السبب فإن قضية فلسطين عادت إلى المسرح العالمى، واكتسبت زخماً مستحقاً جديداً.