الفيلسوف سمير غانم.. «ما وراء الضحك»

إمام أحمد

إمام أحمد

كاتب صحفي

سيجموند فرويد، الفليسوف النمساوي، ومؤسس علم النفس الحديث، يقول إنه «لولا الضحك؛ لانفجر الإنسان». على هذا المعنى يمكن النظر إلى الفنان الراحل سمير غانم، باعتباره «عيادة أمراض نفسية متنقلة» تعالج المرضى من الاكتئاب وتحمي من هم تحت ضغوط الحياة من الانفجار. بالأمس رحل الكوميديان الكبير، لكن عيادته للعلاج بالضحك لم تغلق أبوابها بعد.

كان يرى فرويد، من وجهة نظر نفسية، أن الضحك آلية للتنفيس عن الطاقات النفسية المكبوتة لدى الإنسان، وأن الضحك ضرورة، مثل الهواء والماء والطعام. على أرجح الظن كان سمير غانم، رحمة الله عليه، يشترك مع فرويد، في نفس النظرة إلى الضحك باعتباره ضرورة في حد ذاته، وليس مجرد وسيلة يجب أن تحمل الرسائل والمواعظ والدروس الحياتية.

كان سمير غانم يُضحك من أجل الضحك، أو بمعنى أحرى: يُضحك من أجل السعادة فقط!

مدرسة الضحك من أجل السعادة التي يعتبر سمير غانم ناظرها الأول -على الأقل في الخمسين سنة الأخيرة- هي نفسها مدرسة فرويد من وجهة نظر نفسية، ومدرسة أرسطو من وجهة نظر فلسفية، إذا يصف الفيلسوف اليوناني الضحك بأنه انفعال الإنسان الإيجابي في إطار سعيه الدائم للبحث عن السعادة.

لم يتوقف أرسطو عند ذلك، بل اعتبر فيلسوف اليونان الأكبر أن الضحك هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، وقال وصفه الشهير «الإنسان حيوان ضاحك»، بل دافع بشدة عن «المُهرجين» الذين لديهم قدرة على رسم البسمة على الوجوه، في زمن كان ينظر إليهم نظرة سيئة، قائلاً بطريقته المعتادة في القياس إنه «إذا كانت التسلية وكل ضرب من ضروب الاسترخاء والضحك، أموراً جميلة، فإن الأشياء المضحكة -أشخاصاً أو كلمات أو أفعال- هي جميلة بلا محالة»، واعتبرهم من وجهاء القوم مثل الفلاسفة أو أكثر.. لأن الفيلسوف يبحث عن السعادة، لكن «المُهرج» يصنعها!

فيلسوف الضحك سمير غانم كان ترجمة حرفية لكل ما أورده أرسطو في كلامه عن الضحك والمُضحكين، كان مثل الفلاسفة أو أكثر، كان بخفة شديدة وسهولة متناهية يصنع السعادة لمن يشاهده، يضحكه بكلمة أو بنظرة أو بإشارة أو حتى بأشياء جامدة مثل «جاكيت بدلة طويل» أو «مدفعين يحملهما على صدره كامرأة» أو «مزمار بلدي طوله ثلاثة أمتار» يحيي به حفل زفاف صديقه على أغنية «العريس متين والعروسة متينة».

في كل ظهور، وفي كل شكل، وبكل حيلة ممكنة، كان سمير غانم ينجح في أن يجعل الإنسان الذي يشاهده يضحك لا إرادياً، وعندما نضحك ننفتح أكثر على الدنيا، نقبلها وتقبلنا، لأن الضحك «انفتاح على الحياة وإعلان رفض للموت» كما وصفه الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

لم أجد بين كل الفلاسفة من اتخذ موقفاً سلبياً من الضحك، كما وجدت أفلاطون، الذي اعتبر «الكوميديا» خطراً على الجمهورية المثالية التي بشّر بتأسيسها.. وربما لو أن أفلاطون حسن الحظ الآن ليجمعه لقاء استثائي مع سمير غانم في عالم آخر، فمن المؤكد أنه سوف يغير من رأيه تماماً، ويشطب بعض أجزاء من كتابه الشهير، ويجعل «الكوميديا» مبدأ من مباديء الجمهورية.