«الزراعة».. هيئة منسية

لم يحدث أن واحداً من 11 وزيراً للزراعة بعد الدكتور يوسف والى (1984 - 2004)، انتبه للهيئة الزراعية المصرية، وتاريخها، وقوة قانونها، واتساع اللائحة التنفيذية لإنشائها، حتى تكون وحدها كافية لتوثيق اسم أى وزير بحروف من ذهب فى الصفحة المشرقة لمصر، بدلاً من إبقاء أثره فى مجرد صورة داخل لوحة تعداد السابقين.

لا أحد فى كل دول العالم تعْلق فى ذاكرته أسماء الوزراء السابقين، إلا ما ندر، لكن مصر لديها ذاكرة حفظت تاريخ ملوكها ورؤسائها المؤثرين منذ آلاف السنين، سواء الذين رسخوا انتصاراتهم بالعجلات الحربية، أو الذين انتصروا فى معارك الخضار وسنابل القمح وزهر القطن، بدليل أنها -جيلاً بعد جيل- لن تنسى أحمس، ومينا، وعبدالناصر، ويوسف والى، وأخيراً عبدالفتاح السيسى.

والهيئة الزراعية المصرية التى أنشئت فى 14 أكتوبر عام 1956، على أنقاض الجمعية الزراعية الملكية، استلهم الفرنسيون روحها ولوائحها، وأسسوا على غرارها أكبر جمعية زراعية تهيمن على 2.5 مليون فدان مخصّصة للقمح، تخدم الزراعة والزراعيين ومشاريعهم الإنتاجية، سواء بتمويل البنية التحتية، أو توفير المحركات الائتمانية أو التكنولوجية، لأعضائها.

ومن أهم ما يدعو إلى الاستذكار من دروس قانون هذه الهيئة «المادة رقم 4»: تتولى هذه الهيئة القيام بما يتصل بالأبحاث وتحسين الإنتاج الزراعى والحيوانى وتربية النباتات وتحسين وإصلاح التربة، وانتقاء وإنتاج التقاوى واستنباط السلالات، وإقامة المزارع النموذجية، وتربية الدواجن والحيوانات وتحسين سلالاتها وإنتاجها، ومقاومة الآفات، والعمل على نشر وإقامة الصناعات الزراعية وتنميتها، وإقامة المعارض الزراعية والصناعية، واتخاذ جميع الوسائل اللازمة للدعاية لها، والاتجار أو صناعة الأسمدة والآلات والأدوات والبذور والمحاصيل الزراعية والمبيدات الحشرية والأعلاف، وذلك فى حدود السياسة الزراعية العامة للدولة.

ومع المادة «رقم 4» لقانون إنشاء هيئة مثل هذه، قد يصل وزير الزراعة إلى حقيقة أنها تختصر عمل الوزارة كاملاً بكل قطاعاتها وهيئاتها، ويضاف إلى ذلك أنها الهيئة المحظية بإعفاء أنشطتها من أى رسم ضريبى أو جمركى على وارداتها، أو صادراتها، سواء لأغراض عملها الحكومى، أو للقطاع الخاص، كما يخوِّل لها القانون الاستيراد لذاتها أو للغير من التجار والشركات الخاصة، مقابل أرباح تحددها طبيعة العمل.

هذا الحديث يأتى بمناسبة كساد الزراعة، ليس بسبب ضعف قنوات تسويق إنتاجها داخلياً وخارجياً فقط، وإنما بفعل تفاقم أسعار مدخلات الإنتاج، خاصة المستوردة منها، مع تفريغ الهيئة الزراعية المصرية من مضمونها، وتحويلها إلى معقل لتنكيس مناصب القيادات المغضوب عليها من أبناء الوزارة.

ومع وجود مثل هذا الكيان التاريخى والمعاصر أيضاً، يظل وزراء الزراعة، من بعد يوسف والى، بعيدين عن نعمة منسية فى هذه الهيئة، لم تتوافر لغيرها من هيئات حكومية، كونها تملك أيضاً جناحاً ملكياً وأرستقراطياً، تكفل سنوات الملكية باستيراد وتربية واستنباط وتحسين سلالات الخيول العربية الأصيلة، وهو ما يتجسد فى محطة الزهراء لتربية الخيول العربية، التى أنيط بها إنقاذ الخيول الملكية، خاصة بعد الخديو إسماعيل، لتظل وزارة الزراعة بمحطتها الأقدم فى الشرق الأوسط، المرجع الأهم عالمياً فى إثبات نسب أصول الخيول العربية.