دنيا حبيبتى.. جلال الشرقاوى
الثقافة والفن هما القوة الناعمة لمصر، فالأغنية والفيلم والمسرحية المصرية خير سفير: كوكب الشرق، موسيقار الأجيال، العندليب، سميحة أيوب، يوسف وهبى، نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى، كلها علامات مصرية مضيئة قلَّ أن يجود الزمان بمثلها.
وضع المسرح فى مصر تأثر بفعل الأحداث السياسية، لكن أن يفكر المخرج الكبير جلال الشرقاوى فى أن يضىء شعلته ويمنحه قبلة الحياة، هذا شىء جدير بالاهتمام، فتاريخ «الشرقاوى» الجاد المناضل لجدير بأن يجذبنا لمسرح الفن لمشاهدة (دنيا حبيبتى)، ونحن نتوقع أن ننعم بوجبة دسمة من الفكر الراقى والفن الهادف.
بعد اللقاء الذى أجريته فى برنامجى (مع أهل مصر) على قناة «التحرير» مع المخرج جلال الشرقاوى، أيمن الحكيم، المؤلف، كمال أبورية، ونسمة محجوب، أبطال (دنيا حبيبتى)، تلقيت دعوة كريمة من «الشرقاوى» لمشاهدة المسرحية مع فريق عملى، وأعترف أن الدهشة والابتسامة لم تفارقا وجهى منذ فتح الستارة إلى تصفيقنا الحاد مهنئين النجوم فى الختام.
مفاجأة العمل هى النجمة نسمة محجوب (دنيا) أو «مصر»؛ فنانة شاملة، صوت مصرى شامخ، أداء رفيع، مرونة جسدية مدهشة فى الاستعراض والرقصات، ذوبان على خشبة المسرح، حيوية متدفقة، خلاياها وقطرات دمها انصهرت فى الدور حتى الثمالة فأعطت الأغنية والمشهد حلاوة وإيقاعاً، «نسمة» فنانة حتى النخاع، بذلت مجهوداً مضنياً فى العرض بكل حب وصدق واحتراف. النجم كمال أبورية (فارس) «السيسى»، أداء رصين يعكس خبرة فنية واحترافاً عالياً، صوته مسرحى من الطراز الأول، وجوده على المسرح يعطى ثقة لجملة الشباب من الفنانين، قوة أدائه فى دور «فارس»، الذى أنقذ «دنيا» من اختطافها وحبسها على يد الإخوان، رمزية عالية وحضور وتألق.
رضا إدريس (زعفران بك) أو «المرشد»، خطف الأنظار بخفة دمه وتلقائيته، اكتشاف أن يكون لدينا هذا الفنان ولم يأخذ حظه من البطولات بعد!، كيف استطاع أن يجعلنا نكرهه ونحبه فى آن واحد؟ أما سيد جبر (الشيخ قراقيش) أو «أبوإسماعيل»، فنان محترم أعطى وزناً للدور، صوت قوى، أداء راقٍ، خفة دم مدهشة، اختياره لهذا الدور عبقرى ولا بديل له. إنجى الخطاب (ميسورة) مولد نجمة جديدة موهوبة، أتوقع لها مستقبلاً مشرقاً.
القصة الرائعة للمؤلف أيمن الحكيم، عبقرية الكلمات والعبارات ورسم الشخصيات، التوثيق التاريخى بإتقان لعام ظلام الإخوان منذ تولى مرسى وحتى بيان ٣ يوليو، دقة اللغة بين الجد والكوميديا فى إطار الكباريه السياسى. أما كلمات الأغنيات د. مدحت العدل، فتستحق أن نرفع القبعة لهذا الشاعر الكبير، فكل أغنية لها وقع خاص لعمق المعنى، التنوع بين الشعبى والغربى والوطنى، على ألحان محمد رحيم الرقيقة والقوية فى الوقت ذاته، ألحان تملأ قاعة المسرح بالأوكسجين لرشاقة النغمات (بسم العيش والحرية.. بسم كرامة الإنسانية.. بسم العدل وبسم الحب غنوا للأحلام أغنية دنيا حبيبتى مصر حبيبتى).
دعوة عامة لكل الأسر المصرية، (دنيا حبيبتى) عمل فنى سياسى كوميدى راقٍ، أدعوكم لمشاهدته، كما أتوجه إلى الدولة برسالة: دعم هذا العمل هو جزء من خارطة المستقبل، ادعموا جلال الشرقاوى؛ لأن المسرحية تصور وتؤرخ وتوثق ثورة شعب ضد حكم المرشد، أطالب بدعم هذا العمل ولماذا لا يسافر لدول عربية للعرض؟ ثم لماذا لا يأتى طلاب الثانوى والجامعات لمشاهدته؟
يا وزير الثقافة د. جابر عصفور: دنيا حبيبتى، ملحمة فنية وطنية راقية تستحق منك الاهتمام.