يوميات الفض.. من بيان «3 يوليو» إلى «الخروج الآمن».. 10 مشاهد من الاعتصام

كتب: لطفى سالمان

يوميات الفض.. من بيان «3 يوليو» إلى «الخروج الآمن».. 10 مشاهد من الاعتصام

يوميات الفض.. من بيان «3 يوليو» إلى «الخروج الآمن».. 10 مشاهد من الاعتصام

عاشت قواعد الإخوان خلال اعتصام «رابعة العدوية» حالة من العزلة الشعورية، فرضها عليهم قيادات التنظيم، ففرضت بدورها عليهم حالة من الانعزال، حالة لا تمت للواقع بصلة، لا تمت إلا لواقع «رابعة»، نتج عنها مشاهد هزلية يعود بعضها إلى العصور الوسطى، حالة من الانفصال الكامل عن اللحظة الزمنية، وفقدان للتوازن، ظهرت فى 10 مشاهد مختلفة، بعضها كان يحمل من المتناقضات ما يدعو للتساؤل، لكن أحداً منهم لم يكن قادراً على ذلك، تسمى هذه الظاهرة بـ«التفكير المزدوج»، وهى قدرة شخص على إقناع مجموعة من الناس بمتناقضين فى وقت واحد، وتصديق كليهما. المشهد الأول: الصدمة فى 3 يوليو، عقب إلقاء الفريق السيسى، وزير الدفاع آنذاك، للبيان الذى أعلن فيه عن خطوات خريطة الطريق، خشى قيادات الإخوان من تسرب اليأس إلى قلوب المعتصمين، فأذاعوا خبراً كاذباً مفاده أن بعض قيادات الجيش انشقت وأعلنت تأييدها للرئيس المعزول محمد مرسى. بعدما أذاعوا هذا الخبر، بدأ المعتصمون فى التكبير والتهليل، وبعضهم كان يبكى من شدة الفرحة، وبعضهم بدأ يصلى لله شكراً على الخبر المزعوم، لكنهم سرعان ما تأكدوا أن الخبر كاذب فسادت داخل الاعتصام حالة من الصمت، حالة من عدم التصديق، لدرجة أن طائرات الجيش حينما كانت تمر من أعلى الاعتصام كان يشيرون لها تأييداً، اعتقاداً منهم بأن هناك مفاوضات بين قيادات الجيش وبعضها على عزل «مرسى» من عدمه، وهذه الطائرات تلتقط صوراً للمقارنة بين أعداد معتصمى «رابعة» والمتظاهرين فى الشوارع. المشهد الثانى: الأسطول الأمريكى يتحرك بعد يومين من إعلان خريطة الطريق، كان هناك تنبيه بعدم ترديد شائعات داخل الاعتصام كى لا يحدث ما حدث فى المشهد الأول، لكن المنصة، التى نبهت بذلك، هى نفسها من أذاعت خبراً يفيد بأن الجيش الأمريكى أرسل بارجتين حربيتين لقتال الجيش المصرى، فبدأوا فى التهليل والتكبير، ومنهم من كان يردد هتاف: «على الأقصى رايحين شهداء بالملايين»، واستكمالاً للمشهد استمرت المنصة فى تحميس المعتصمين، وأكدت لهم أن العالم بأكمله لن يرضى بأن يُعزل الرئيس محمد مرسى، فاستمروا فى التكبير والتهليل من بعد صلاة الظهر حتى العشاء، ابتهاجاً وفرحاً بالخبر المزعوم. المشهد الثالث: انشقاق طريق النصر فى واحدة من صلوات الجمعة خلال الاعتصام، وقف الخطيب يقوى من عزيمتهم، ويدعوهم للتفاؤل، وأكد لهم أنهم أشبه بجنود سيدنا موسى، عليه السلام، وأن الفريق عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع آنذاك، لن يستطيع فض الاعتصام، لأنه إذا ما حاول فض الاعتصام سينشق طريق النصر، المؤدى للاعتصام، ويبتلعه، كما انشق اليم وابتلع فرعون وجنوده. واستكمالاً للتقوية من عزيمتهم، أكد لهم أن الملائكة تشاركهم فى الاعتصام، وأن أعداد المعتصمين بالملايين كون الملائكة معهم.
الإخوان لجأوا إلى الحرق بعد فض الاعتصام
المشهد الرابع: أداء العمرة ولأن «رابعة» محاطة بالملائكة، ومعتصميها أشبه بجنود سيدنا موسى، وأن الذهاب إليها كالذهاب للعمرة، كما كان يتردد داخل الاعتصام، لم يكن غريباً أن يظهر أحد المتظاهرين فى «رابعة»، خلال صلاة التراويح، وهو يرتدى ملابس الإحرام، لكن الأغرب من ذلك أن أحداً ممن كانوا حوله لم يلفت انتباهه إلى أنهم معتصمون فى «رابعة» وليس مكة المكرمة، وأن المسجد الذى يقف أمامه مسجد رابعة العدوية، الذى يقع فى حى مدينة نصر شرق القاهرة. لكن تبريرات الإخوان آنذاك، بعد السخرية من هذا الرجل، أنه كان فى طريقه للعمرة، لكنه علم بمحاولة لفض الاعتصام فذهب ليشاركهم. المشهد الخامس: نزول القرآن استكمالاً لحالة العزلة التى عاشها الإخوان، خلال الاعتصام، وإيماناً منهم بأنهم جند الله فى الأرض، وأنهم المبشرون الجدد، وأنهم فى سبيل ذلك لا بد أن يتحملوا حتى تثمر دعوتهم، قال واحد لآخر، كان يقف بجانبه، خلال نوبة الحراسة على مداخل الميدان، التى كانوا يتبادلونها، إنه يشعر بأن القرآن ينزل عليه كل ليلة، فما كان من الآخر إلا أن ابتسم فى وجهه قائلاً: «أنت من المبشرين إذن بالجنة يا أخ حسن». واستكمالاً لهذا المشهد، قال له: «تعرف أشعر أننا نعيش فى قطعة من الجنة، نعيش فى أكبر معسكر لم نكن نتخيل أن يجمع كل هؤلاء الإخوة»، ثم تركه لصلاة ركعتين، شكراً لله على الاعتصام. ولما وقعت الاشتباكات بينهم وبين قوات الأمن بعدها بأيام، قام بعض الشباب بوضع المسك على البقع من الدماء التى سالت من بعضهم، وأحاطوها بورود، لكن الغريب أن الكثير من المعتصمين كانوا يجيئون لهذه البقع بعد قليل لاستنشاق رائحة المسك وكأنها رائحة ربانية، من عند الله لمن أصيبوا أو قُتلوا. المشهد السادس: مات «بشار» ثم هرب كانت الأحداث فى سوريا قد اشتعلت وتحولت إلى ما يشبه حرب الميليشيات، وكانت أعداد المعتصمين قد بدأت فى التراجع نسبياً، وكانت قيادات الإخوان يخشون من يأس القواعد وانسحابهم إلى بلدانهم مرة أخرى، بعدما شحنوهم إلى مقر الاعتصام، فأذاعت منصة «رابعة» خبرين يحملان من التناقض ما يكفى للتساؤل، لكن أحداً لم يهتم؛ الخبران كانا متعلقين ببشار الأسد، الرئيس السورى، وقف أحدهم على المنصة يقول: «فيه خبرين يبشران بالخير أيها الأخوة، الخبر الأول أن بشار الأسد قُتل، والخبر الثانى أنه هرب»، فبدأوا فى التهليل والتكبير اعتقاداً منهم أو رغبة فى أن يكون مصير مصر نفس مصير سوريا. تسمى هذه الظاهرة بـ«التفكير المزدوج»، وهى قدرة شخص على إقناع مجموعة من الناس بمتناقضين فى وقت واحد وتصديق كليهما دون تساؤل.
وأعمدة الدخان والغاز تتصاعد فى محيط مسرح الفض «صورة أرشيفية»
المشهد السابع: مسيرة «أبوتريكة» واستكمالاً لهذه الظاهرة، كان هذا الخبر يردد تقريباً بشكل شبه يومى على المنصة؛ بأن محمد أبوتريكة، لاعب النادى الأهلى، قادم إلى الاعتصام فى مسيرة حاشدة، وبصحبته حازم صلاح أبوإسماعيل. ومع كل مرة كان يذاع فيها الخبر على المنصة كانوا يكبرون ويهللون، لكن أحداً منهم لم يسأل: لماذا لم يأت أى منهما إلى الاعتصام بعد كل مرة يذيعون فيها عن قدومهما؟ المشهد الثامن: «خناقة المغير وعز» كان أحمد المغير، أحد شباب الإخوان وأحد رجال خيرت الشاطر، نائب المرشد، وعبدالرحمن عز، عضو حركة «حازمون»، يسيطران على المركز الإعلامى لـ«رابعة»، وخلال زيارة أحد الوفود الحقوقية للاعتصام، اشتبك «عز» و«المغير» معهم، بحجة أنهم لا يقولون الحقيقة، وأنهم ليسوا فى حاجة للكتابة عنهم، فغضب الصحفيون الإخوان منهم، وطالبوا «المغير» و«عز» بترك المركز الإعلامى، ولما طلبت القيادات منهما ذلك تظاهر «المغير» و«عز» داخل المركز، ورفعا لافتات ضد قرار منعهما من الاستمرار فى المركز. المشهد التاسع: إحراق الصحف بجانب مسجد رابعة العدوية كشك صغير لبيع الصحف، وخلال الاعتصام لم يكن الإخوان يقرأون سوى جريدتى «الحرية والعدالة» و«الشعب»، لدرجة أن بعض الباعة الجائلين غيروا نشاطهم إلى بيع هاتين الصحيفتين فقط، لكن الرجل صاحب الكشك ظل يبيع كافة الجرائد، ما أثار غضبهم منه فقاموا بإضرام النيران فيها، ما دفع الرجل إلى إغلاق الكشك حتى نهاية الاعتصام، لكن الأغرب من هذا المشهد هو إصرار معظمهم على أن الصور التى كانت فى الصحف لملايين المتظاهرين فى الشوارع «فوتوشوب»، وبعضها من صور مظاهرات ثورة 25 يناير. المشهد العاشر: حضانة الدم اصطحب قواعد الإخوان أطفالهم إلى الاعتصام، رغبة منهم فى تنشئة جيل إخوانى جديد يحمل الراية من بعدهم، واستمراراً للتنشئة، فتحت بعض المعتصمات «حضانة» داخل الاعتصام، وبدأن فى تعليم هؤلاء الأطفال حروف الأبجدية، لكنها لم تكن كالمعتاد، كانت: «م: يعنى مرسى.. وش: يعنى شرعية.. ود: يعنى دم»، ولم يكن غريباً أن يظهر هؤلاء الأطفال بعد ذلك وهم يرتدون أكفانهم، مشاركة منهم لباقى المعتصمين.