ضمائر ميتة تدافع عن حقوق الإنسان! (1)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

منذ ما يقرب من ٣٠ عاماً دعت مصر دول العالم لعقد مؤتمر دولى لمكافحة الإرهاب، وكررت مصر الدعوة من وقت لآخر، وحذرت من اتساع دائرة الخطر الذى كانت تواجهه بلادنا والعديد من دول الشرق الأوسط آنذاك ليصل لأوروبا والولايات المتحدة، ولم تجد الدعوة المصرية استجابة من تلك الدول استناداً لحسابات خاطئة استبعدت وصول الإرهاب إليها، وإن وصل فهى قادرة بقدراتها الأمنية والاستخباراتية على مواجهته قبل أن يطال أياً من مواطنيها، وحدث ما توقعته مصر وطال الإرهاب أوروبا وأمريكا، واضطرت معه لسن تشريعات خاصة واتخاذ تدابير أمنية احترازية مست مباشرة حقوق الإنسان هناك، ودعونا نتذكر معاً التصريح الشهير لديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطانى الأسبق: «عندما يتعلق الأمر بالأمن القومى لبريطانيا لا تسألونى عن حقوق الإنسان».

لم يحدد «كاميرون» فى تصريحه ما هو الأمن القومى الذى يقصده، وإشارته إليه بشكل عام دليل واضح على أن لكل دولة الحق فى تحديد أولوياتها الأمنية، وكل دولة هى المعنية بوضع ما تشاء تحت مسمى الأمن القومى.

وعلى النهج نفسه سارت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماى وقالت إنها «ستمزق» قوانين حقوق الإنسان فى بلادها من أجل محاربة الإرهاب، وبما يسهل ترحيل أو فرض قيود على حركة من يشتبه بأنهم متشددون، ممن لا تتوافر أدلة كافية لمحاكمتهم.

وقالت أيضاً «فى الوقت الذى نرى فيه التهديد يتغير ليصبح تهديداً أكثر تعقيداً، نحن بحاجة للتأكد من أن أجهزة الشرطة والأمن والاستخبارات لديها ما يكفى من الصلاحيات»، وأضافت: «أعنى بذل المزيد من الجهد لتقييد حرية وحركة المشتبه بهم الإرهابيين عندما يكون لدينا ما يكفى من الأدلة لمعرفة أنهم يشكلون تهديداً، حتى ولو لم يكن هناك دليل كافٍ لمحاكمتهم».

أما فى فرنسا فإن القوانين الغامضة تستهدف الجميع، وتمت إدانة عشرات الآلاف هناك بموجب قوانين مطاطة تشمل تجريم ازدراء الموظفين العموميين، والمحاكمة بزعم المشاركة فى جماعة بهدف ارتكاب أعمال عنف، والمحاكمة بسبب تنظيم احتجاج دون الامتثال لمتطلبات الإشعار، وغيرها من الاتهامات الفضفاضة.

فى نوفمبر 2017 أصدرت فرنسا «قانون مكافحة الإرهاب» بما يسمح للشرطة هناك بتفتيش الممتلكات والتنصت الإلكترونى وإغلاق المساجد.. وغيرها من الإجراءات.

الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً تعطل كثيراً من القوانين التى تندرج تحت مسمى حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالأمن، فالرئيس الأمريكى من حقه إصدار قانون يجيز لقوات الأمن اعتقال المشتبه فيهم لمدد غير محدودة، ما دام الأمر يتعلق بالأمن القومى أو الإرهاب.

الدول الثلاث فرنسا وبريطانيا وأمريكا من بين الدول التى وقّعت على البيان المشترك لبعض الدول الأعضاء من أصحاب الضمائر الميتة والمغرضة فى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فى جنيف حول الأوضاع فى مصر، وربما يتساءل القارئ: لماذا اخترت الدول الثلاث فقط من بين الدول الموقعة على البيان لكشف ما تمارسه من اعتداءات على حقوق الإنسان لديها دفاعاً عن أمنها القومى؟.. استأذنكم فى الإجابة عن السؤال فى المقال القادم.