دعوات الانفتاح التركية والخداع المكشوف

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

فى آخر الدعوات التركية الراغبة بفتح صفحة جديدة مع مصر ودول الخليج، جاءت تصريحات المتحدث الرسمى باسم الرئاسة التركية، داعياً الدول المعنية إلى قبول الدعوة.

من قبل صرح وزير الخارجية شاويش أوغلو بأن هناك إمكانية بأن تدخل مصر وتركيا فى مفاوضات لتحديد الحدود البحرية بينهما فى البحر المتوسط.

الدعوتان فى أقل من أسبوع واحد تعكسان محاولة لتحويل الأزمة السياسية/ الاقتصادية، التى تمر بها تركيا، إلى فرصة يمكن تسويقها للداخل والخارج على السواء.

الخارج الذى يعنى أنقرة والرئيس أردوغان تحديداً يتركز فى لفت نظر الإدارة الأمريكية الجديدة إلى أن تركيا تتميز بالمرونة وقادرة على فرض أمر واقع إقليمى، إما بالقوة العسكرية كما جرى فى أرمينيا وأذربيجان قبل ثلاثة أشهر، بالتنسيق الوثيق مع موسكو، ومن قبل فى ليبيا قبل عام، وكذلك فى قطر قبل ثلاثة أعوام. وإما بالتحايل السياسى وتغيير المسار فى علاقات أنقرة مع عدد من الدول المحورية بالمنطقة فى الوقت الذى تحدّده أنقرة، وفقاً لأولوياتها.

من المؤكد هنا أن الأزمة الاقتصادية المتصاعدة التى تمر بها تركيا راجعة بالأساس إلى كم المغامرات العسكرية التى قام بها الرئيس أردوغان، استناداً إلى قناعة بضرورة الاستعداد لانتهاء معاهدة لوزان التى حجّمت الدولة العثمانية قبل 98 عاماً، وبما يؤدى إلى استعادة تركيا ما يمكن استعادته من أراضٍ ونفوذ وتوسّع جغرافى وبحرى.

هذه القناعة الأردوغانية، التى يتم الترويج لها لدى الأجيال الجديدة من الأتراك، دون النظر إلى استحالة تحقيقها فى الواقع، تؤسس لحالة انفصام سياسى تركى عن الواقع الإقليمى والدولى القائم، وبالتالى دفع تركيا لأن تكون بمثابة بؤرة توتر إقليمى دائم لنفسه ولمن حوله. وحال كهذا يتطلب أن تعيد دوائر الحكم فى تركيا النظر جذرياً فى عمليات التنشئة والدعاية السياسية التى ترسّخ مثل هذه القناعات الفوضوية، وأن تتخلى عن طموحات احتلال أراضى دول أخرى كانت يوماً ما تحت الوصاية العثمانية، والتى انتهت إلى غير رجعة.

المغامرات التركية العسكرية، التى أدت فعلياً إلى تداعيات سلبية ضغطت بقوة على الاقتصاد التركى، وجاء فيروس كورونا ليضيف ضغوطاً أخرى دفعت الاقتصاد التركى إلى التصنيف «سلبى غير مستقر»، وهو فى عالم الاستثمار الدولى يعنى أنه اقتصاد طارد. ولا يتصور فى ظل وضع كهذا أن تتجه دول الخليج إلى الاستثمار فى اقتصاد طارد، حتى إن توافرت لديه مقومات جيّدة. والمؤكد أن أصحاب القرار فى الخليج يدركون هذه المعادلات جيداً.

هذه البيئة التركية المتناقضة فى مكوناتها، تجعل الدعوات إلى فتح صفحة جديدة مع مصر ودول الخليج ليست أكثر من محاولة خداع مكشوفة. وكما تفعل أنقرة مع اليونان تطالب بالحوار، وفى الآن نفسه تستمر فى سياستها الاستفزازية التى ترمى إلى فرض أمر واقع فى الحدود البحرية اليونانية والقبرصية فى البحر المتوسط، وبما يُخل بسيادة البلدين على حقوقهما البحرية. بالنسبة إلى مصر فالأمر مكشوف للغاية.

وكمثال، دعت أنقرة مصر على لسان وزير خارجيتها إلى مفاوضات لتحديد الحدود البحرية بين البلدين، ومن قبل نشرت وسائل الإعلام التركية بإيعاز من الرئاسة ما وصفته بخرائط تدل على أن مصر تنازلت عن موارد بحرية كبيرة عند قبولها ترسيم الحدود البحرية مع كل من اليونان وقبرص، وفقاً للاتفاقيات التى تم توقيعها، وادعت أن تركيا يمكنها إذا فاوضت مصر أن تعيد تلك الموارد إلى مصر.

الخداع فى هذا العرض بدا واضحاً للغاية، فالدعوة التركية استهدفت بالأساس تشكيك مصر فى الاتفاقيات التى وقّعتها مع اليونان وقبرص، وإلى دق إسفين بين القاهرة وهذين البلدين، كما استهدفت جر مصر إلى الموقف التركى، وكأن القاهرة فاقدة الوعى بمصالحها، ومن ثم إسباغ شرعية على اتفاق الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس، الذى تم توقيعه مع حكومة الوفاق برئاسة السراج نهاية عام 2019، والذى لم يحصل على موافقة البرلمان الليبى، وبالتالى يظل الاتفاق غير مكتمل الأركان القانونية، وفقاً للقواعد الدولية. وهو ما تدركه مصر جيداً، ولذا لم تُعر الدعوة التركية أى انتباه، كما تجاهلت المقولات التى روّجت لها أنقرة منذ عدة أشهر بأن القاهرة كانت تراعى المطالب التركية عند صياغة الاتفاقيات البحرية مع اليونان وقبرص.

مثل هذه التحركات التركية المخاتلة توضح إلى أى مدى يحتاج الرئيس أردوغان تحركاً مصرياً يوفر له حجة وشرعية فى ما سيقدم عليه فى العامين المقبلين إذا استمر بقاؤه على سدة الحكم. والسؤال الرئيسى هنا يتعلق بالأساس الذى يمكن معه فتح صفحة جديدة، هل بناءً على قبولنا بما تفعله تركيا أم برفضنا له، سواء فى البحر المتوسط أو فى سوريا والعراق وليبيا، وفى أزمات أخرى ذات صلة بأمن مصر المباشر، أم أن الأساس هو مراعاة المصالح المصرية العليا التى لا خلاف بشأنها. والفارق واضح بين القبول بنفوذ تركيا ومغامراتها العسكرية، وبين رفض هذا النفوذ غير القانونى وغير المشروع.

وليس بسر أن مصر لديها سلسلة من الانتقادات البالغة للسياسة التركية تجاه مصر ومصالحها الحيوية، وتجاه المنطقة بوجه عام. ولا يغفل المصريون عن أن تركيا الآن ومنذ 2013 هى المقر السياسى والدعائى الرئيسى لجماعة الإخوان الإرهابية، وهى الملاذ للكثير من قيادات الجماعة ورموزها السياسية. ودون تغيير جذرى فى هذا النهج سيظل هناك حائط صد كبير يحول دون توافر حد أدنى من قابلية الانفتاح المصرى على دعوات المصالحة والحوار التى تتكرّر بين يوم وآخر.

الواضح هنا أن التغيير النسبى، ورغم كونه بسيطاً ومحدوداً بين مصر وقطر، تدركه أنقرة باعتباره خصماً محتملاً من نفوذها الطاغى على الدوحة، وهو خصم سيزداد حجماً إذا ما تمت معالجة ملف الإخوان فى الدوحة وفقاً للرؤية المصرية، وملخصها أن تتخلى الدوحة وأى طرف آخر عن أن يكون الملاذ لجماعة إرهابية، وهو تخلٍّ يجب أن يكون عملياً، برفض إقامتهم وعدم منحهم فرصة الهجوم على مصر، ومنعهم من تمويل أى عمليات إرهابية فى الداخل، أو الدعاية لها، وتسليم القيادات والأفراد الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية.

والحقيقة أن هذه الضوابط لاستعادة علاقة طبيعية بين مصر ودول ملاذ الإخوان، بما فى ذلك تركيا، تمثل اختباراً كبيراً لتلك الدول، ولذا فالمصالحة الحقيقية هى باختصار القبول غير المشروط بالضوابط المصرية ولو بتدرج ودون عودة إلى المربع الأول. فهل تقبل أنقرة؟ هذا هو السؤال الحاسم.