1.4 مليار طائر مصرى.. من يحرق أجنحتها؟
عجباً لمن يتجاسر على عرقلة جهود دولة تسعى بكل أدواتها لتحقيق الأمن الغذائى، وهو الهدف الأسمى فى أجندة أى رئيس، خاصة إذا كان هذا الهدف يتعلق بتوفير بروتين آمن، قليل التكلفة، غنى صحياً، وفقير بالكوليسترول، عانت مصر كثيراً فى أعقاب جائحة إنفلونزا الطيور عام 2006، وبعد أن صعدت صناعة الدواجن فيها إلى مدرجات المصدرين، جاءتها الضربة البيولوجية غير المنتظرة، لتُعدَم القطعان، اعتباراً من الجدة، حتى الكتكوت، مروراً بأمهات التسمين والبياض، فتنفتح كل المصاريع لقبول الأمر الواقع (دواجن مجمدة، ومجزءات يتم تخزينها للفرم علفاً للكلاب والقطط)، ومع هبوب رياح الصحة، بدأت عنابر دواجن مصر فى التعافى درجة تلو الأخرى، ومعها تنغلق مصاريع الاستيراد واحداً تلو الآخر، لترتبك صدور المستوردين وبطونهم، ولتتحرك عقولهم نحو ملاعب الممارسات المسمومة، لحياكة خيوط المؤامرات على الدواجن الطازجة، ومربيها
لم يكتف المستوردون بالتلميح إلى أن منظومة تربية دواجن مصر، ما هى إلا صناعة أجنبية بالكامل، قاصدين حصر مدخلاتها المستوردة، مثل: الذرة، الصويا، الأدوية البيطرية، وإضافات الأعلاف، بل لجأوا للتصريح بأن الدجاجة البيضاء لا تصل إلى حجمها المثالى خلال 34 يوماً إلا بالتدخل الهرمونى الضار، هؤلاء يتجاهلون تنامى العلم لدى الاختصاصيين من البيطريين والكيميائيين، الذين يفندون هذه الأباطيل بما هو أصح علمياً وكيميائياً، حيث إن دول تصدير الدواجن، مثل: أستراليا، والبرازيل، هى التى ابتدعت استخدام الهرمونات فى تسمين الماشية، وليس الدواجن، لتسريع عمليات تحويل الغذاء العلفى إلى لحوم، وهو ما لم يحدث أيضاً فى تربية الماشية داخل مصر، من باب الثقافة و«الشرعنة» السماوية، ولرجم الشائعات بالعلم، يكفى أن نستخدم المعادلة الحسابية التى تقول إن جراماً من الهرمونات المقصودة قد يُتَرجَم فى منظومة تسمين الماشية إلى كيلو لحم، يبلغ سعره قائماً نحو 55 جنيهاً للمربى، وهنا تُصبِح إضافته مبَررة اقتصادياً لهم، ليحقق فائضاً من اللحوم التى يصدرونها إلى دول تعانى فجوات لحوم حمراء، مثل مصر، متجاهلة الأثر السلبى على صحة الإنسان الذى يتناول هذه اللحوم على المدى الطويل.
أما فى خانة صناعة الدواجن، يُصبِح استخدام الهرمونات، إن وجدت، ضرباً من الجنون، كون المبلغ الذى يُنفقه المربى فى جزء من الجرام للدجاجة، ثمنه أغلى من سعر الدجاجة كاملة، ولن يُتَرجَم إلى أكثر من «فكّة» المائة جرام لحمية، ما يعنى تحقيق خسارة لا يتحملها حتى من «يغسل أموالاً».
وبهذا التفسير الاقتصادى المسند بحقائق عقلانية، نصل إلى السؤال الجبرى:
- من يقف وراء عرقلة جهود الدولة فى الوصول بصناعة الدواجن الوطنية إلى حد الاكتفاء الذاتى والتصدير؟ لا أحد يجزم بقدرته على تحديد جهة أو كيان أو فرد، كى تُوجَه إليه أصابع الاتهام لوصفه بأنه «عدو للنجاح»، وحاقد على هذا البلد شعباً ورئيساً وحكومة، خاصة بعدما تأكد له أو لها، أن مصر نفذت فعلاً شحنات تصديرية من حقل هذه الصناعة، تنوعت بين بيض التفريخ، وكتاكيت أمهات التسمين، وغيرها من مخرجات حلقات صناعة دواجن مصر.
وإذا كانت تكلفة الفرصة الوظيفية الواحدة تبلغ نحو 30 ألف دولار (نحو 500 ألف جنيه)، حسب البنك الدولى، فمعنى ذلك أن هذه الصناعة وحدها، بكل روافدها وشقيقاتها المتفرعة عنها والمساندة لها، والتى توفر نحو 5 ملايين وظيفة، تحمل عن كاهل الدولة نحو 2.3 تريليون جنيه كمبلغ إجمالى تستثمره الدولة لخلق 5 ملايين فرصة عمل، يحصل أصحابها على رواتب شهرية يبلغ متوسطها نحو 10 مليارات جنيه شهرياً، عدو النجاح هنا لا يكون عدواً عادياً، بل يوصف بأنه من نوع مدمر بقوة الزلازل الكبرى، حيث يحاول هدم قلاع صناعية وإنتاجية عملاقة، تشارك فى ملكيتها وإدارتها كيانات مالية وطنية، مثل البنوك، تستثمر فيها مدخراتنا نحن المصريين، وتدور من أجلها دوائر علمية وبحثية وإدارية فى المدارس والكليات الفنية الزراعية، والبيطرية، إضافة إلى معاقل البحث العلمى المصرية فى معاهدها ومراكزها القومية، لم يستخدم المدمرون سوى أقذر الحروب، حيث يلجأون لتخويف المستهلك صحياً، وهم لا يعلمون أن لحوم الدواجن فقيرة جداً بالكوليسترول، غنية جداً بالبروتين الآمن على صحة الكبد، وأنها -أى لحوم الدواجن- البروتين الوحيد المسموح به لجميع الأعمار (طفولة، صبا، شباب، وكهولة)
ولأنها صناعة الفقراء والريفيين، فإن المستوردين لا يعنيهم هذا البعد الاقتصادى والحضارى المهم، كون هذه الصناعة تعد إحدى دعائم العمالة المتخصصة فى بلدان التربية (70٪ تربية ريفية)، أى أنها تمنع الهجرة إلى المدن بحثاً عن وظيفة، أو فرصة عمل، المستورد مهما زاد حجمه، لا يوظف عدداً يزيد على أصابع اليدين، لكن يكفى أن نشير هنا إلى أن 5 ملايين عامل وأكثر يديرون منظومة إنتاجية يستثمر فيها مصريون أموالاً وطنية لا تقل عن 100 مليار جنيه، لإنتاج نحو 3.8 مليون دجاجة تسمين من نحو 4.25 مليون كتكوت يتم تفريخها كل طلعة شمس، و35 مليون بيضة مائدة كل يوم أيضاً، وكل ذلك لضمان إضاءة حرف من شعار «تحيا مصر».