تركيا.. أصول الذئاب الرمادية التي تسرح في الإقليم (4)

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

هذه السلسلة التى تبحث فى جذور التطرف والتعصب التركى الذى جرى إنضاجه، فيما بعد الدولة الحديثة التى أسسها «كمال أتاتورك» على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. توقفنا فى حلقتها السابقة عند محطة تثبيت الأقدام والتسلل داخل النسيج التركى بشكل عام، للحد الذى شكل فيه هذا التيار المقدمات المؤثرة التى تسببت فى انقلاب 1980 بقيادة الجنرال «كنعان إيفرين». حيث رأى «إيفرين» فى بداية استيلائه على السلطة أنه يجب تنظيف الساحة الداخلية من ركام الفوضى الأمنية التى ظلت تضرب جنبات المجتمع التركى، على خلفية الإرهاب والاعتداءات التى ظل التيار القومى المتطرف يمارسها بحق جميع معارضيه.

لهذا بدأ الجنرال «كنعان إيفرين» فترة حكمه بإغلاق جميع الأحزاب فى البلاد، وعندما طال هذا القرار حزب «الحركة القومية» استسلم له فى البداية، ثم أعاد إنتاج نفسه بعد سنوات تحت مسمى حزب «العمل القومى»، ليقوم بعدها بالتحالف مع أول حزب يمثل الإسلام السياسى «حزب الرفاه» بقيادة «نجم الدين أربكان»، ويخوض معه انتخابات 1991 البرلمانية كى يستعيد مساحات نفوذه مرة أخرى بأغطية شرعية، لم يفلتها من يده بعد ذلك. وكان لهذا التحالف نذير البدء فى الانقسام والتشظى الذى أصاب حزب «العمل القومى»، فقد دعم جناح داخل الحزب تحالفاً مضاداً مع كل من حزب «الطريق القويم» والحزب «الشعبوى الديمقراطى الاجتماعى»، مما دفع الجناح الذى انحاز للإسلاميين إلى الانشقاق بقيادة «محسن يازجى أوغلو»، والأخير تولى لسنوات رئاسة منظمة «الذئاب الرمادية» حيث تمتع بمهارات تنظيمية وحركية كبيرة، جعلته قادراً على تنفيذ هذا الشق فى «العمل القومى» والانتقال بعناصره ومريديه إلى تكوين حزب جديد، يسمى حزب «الاتحاد الكبير» كما تغلب على الاختلافات الفكرية الموجودة بداخل الحركة القومية، عبر تقسيم القوميين داخل منظمتين تؤمنان بذات الأفكار المتطرفة، إحداهما ذات مرجعية إسلامية، وأخرى قومية تركية على يمين المبادئ الكمالية.

توالت بعد هذا التاريخ سلسلة من الفضائح والانكشافات، التى أوضحت على نحو واسع أن منظمة «الذئاب الرمادية» ليست فقط قادرة على اختراق الدوائر الرسمية للدولة التركية، بل ومرحب بها ومطلوبة طوال الوقت بسبب حجم تحالفاتها الواسعة، بداية من مؤسسات الدولة العميقة وصولاً لعصابات «المافيا» الدولية. فعلى ضوء ذلك يمكن رصد مسار الانحراف والارتباط ما بين «الذئاب الرمادية» و«المافيا»، منذ تلقفت الأخيرة عناصر المنظمة التى زج بها فى السجون، بعد أعمال العنف التى سبقت انقلاب 1980، ليشكلا معاً عقب الإفراج عنهم تحالفاً قوياً بدأ يضخ الأموال فى شرايين المنظمة المتطرفة بصورة لم تعهدها من قبل. النشاط الأبرز الذى تنامى فيما بينهما تمثل فى تهريب «الهيروين»، لاسيما مع زحفه المتسارع على سوق الطلب فى نشاط الاتجار بالمخدرات، مما دفع هذا التحالف «الذئاب الرمادية» و«المافيا» إلى السيطرة الكاملة على حجم التدفق الكبير القادم من أفغانستان تجاه المستهلكين فى الدول الأوروبية والأمريكتين. هذا النشاط استمر لسنوات بتمرير «صامت» من أجهزة الأمن التركية فى البداية، لكن مع حجم الأموال الضخمة الذى تدفق كمتحصلات لهذا النشاط، سرعان ما أسال لعاب الأمن التركى ودفع قيادات بارزة فيه، للانزلاق فى مستنقع الفساد المباشر من خلال لعب أدوار مقابل حصص مالية ثابتة ومعلومة.

فى صفحات التاريخ التركى لتلك المرحلة هناك ما يسمى بـ«فضيحة سوسورلوك»، التى تعد النموذج الأشهر لهذه الشبكة العنكبوتية، خاصة بما جرى فيها من أحداث وأشخاص تلاقوا فى حادثة سيارة، كشفت حجم الفساد الذى استشرى خلف ستار الديمقراطية التركية المزعومة. ففى 3 نوفمبر عام 1996 وقعت حادثة سير قرب مقاطعة «سوسورلوك» بمحافظة «باليكسير»، لتكشف المفاجأة طبيعة شخصيات ضحايا الحادث، فالسيارة ضمت حينها نائب مدير شرطة إسطنبول مع الرجل الثانى فى منظمة «الذئاب الرمادية» القائل المأجور «عبدالله جاتلى»، والاثنان لقيا مصرعهما فى حين أصيب ثالث كان بصحبتهما بإصابات بالغة، ليتبين أنه «سادات بوجاك» عضو البرلمان لثلاث دورات وقائد المنظمة المتطرفة، وزعيم قبيلة «بوكاج» الكردية التى لعبت دور الخنجر فى ظهر المكون الكردى بتركيا. فأجهزة الدولة التركية العميقة تستخدم هذه القبيلة على الدوام، لتقسيم وشق صفوف الأكراد عبر موالتها للأنظمة، ومن خلال إغداق العطايا السخية لها، مقابل أعمال الظل التى كان قائد منظمة «الذئاب الرمادية» يقوم بها لصالح أجهزة الحكم.

تسلم النظام التركى الحالى الممثل لحزب «العدالة والتنمية»، الوريث المطور لحزب «الرفاه»، هذا الميراث المتشابك والمحصن بحماية منظمة «الذئاب الرمادية»، ليصير أحد أفضل العطايا التى بدأ رجب أردوغان فى الانفتاح عليها واستخدامها لاحقاً على نطاق واسع. فرغم أنه فى بدايات حكم «العدالة والتنمية» لم تكن علاقة الحزب جيدة مع حزب «الحركة القومية»، وقت انخراط أردوغان فى السعى للانضمام للاتحاد الأوروبى وهو مما عارضته الحركة القومية. إلا أن تعثر هذا الأمر وانسداد الأبواب فى وجه المشروع التركى الذى كانت العواصم الأوروبية بدأت تتلمس ملامحه وتستشعر بالريبة تجاهه، دفع النظام التركى إلى فتح صلات جديدة ساخنة مع الأقليات ذات الأصول التركية فى دول أوروبا، وفى الكثير من الأماكن حول العالم، وهنا وصل رجب أردوغان بقدميه إلى مناطق النفوذ الرئيسية للمنظمة، واستشعر أهمية وقدرات «الذئاب الرمادية» التى يمكنها أن تعيد ترتيب المشهد من حوله، بالأخص على الساحة الأوروبية حيث شركاؤه فى «حلف الناتو»، والتى صارت لاحقاً مسرحاً كبيراً لكثير من ألعاب الظل الخشن التى خططتها الأجهزة التركية، ونفذتها «الذئاب الرمادية» فى كل من فرنسا وألمانيا وغيرهما من البلدان.

المنظمة أعطت لأردوغان شخصياً مفاتيح قيادة نشاطها فى الدول الأوروبية، وحصدت المقابل فى الداخل التركى، بتحالف «العدالة والتنمية» مع الذراع السياسية للمنظمة حزب «الحركة القومية»، الذى تمكن فى انتخابات 2018 بسماح ودعم من قيادات العدالة والتنمية من الفوز بحصة معتبرة فى البرلمان وصلت لما يقارب 15%، مقابل الجهد الرئيسى للقوميين فى حسم أردوغان الانتخابات الرئاسية من

الجولة الأولى.