الصعيد.. قبلة العلماء والفضلاء

رغم فقر الصعيد، وعدم اهتمام الدولة المصرية به فى كل العصور، وتردى الخدمات، وغياب فرص العمل، فإنه أنجب عباقرة فى كل المجالات فى الدين والعلم والطب والأدب والشعر والعسكرية والسياسة والتصوف، ليدرك الجميع أن الصعيد، رغم ظروفه القاسية والإهمال الطويل له، سيظل مولداً للعظماء فى كل المجالات، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، صاحب الحنجرة الذهبية، والشيخ محمد صديق المنشاوى، أقوى وأروع قارئ على مر العصور، والشيخ أحمد الرزيقى، وغيرهم، وعلى رأس الأدباء عباس العقاد، الذى ملأ الدنيا علماً وفكراً وأدباً وكان أسطورة لا تقبل التكرار، وكذلك د. طه حسين ومصطفى لطفى المنفلوطى وغيرهم.

ومن الساسة محمد محمود باشا، وأحمد فراج طايع، أول وزير خارجية بعد الثورة، ومكرم عبيد باشا، وأحمد خشبة وأحمد كمال أبوالمجد، ونبيل العربى، ومن الشعراء أمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودى، ومحمود حسن إسماعيل، ومن السيدات المؤثرات هدى شعراوى وسوزان مبارك ونادية مكرم عبيد وغيرهم، ومن الأطباء ماهر مهران، أول أستاذ للنساء والتوليد فى مصر، وحاتم مصلوح، جراح العظام العالمى، وعبدالرازق حسن، وغيرهم.ومن العلماء أعظم مفتٍ فى تاريخ مصر حسانين مخلوف، وصادق العدوى، أهم وأفضل خطيب للجامع الأزهر، أما شيوخ الأزهر، موضوع مقالنا، فهم كالآتى:

شيخ الأزهر حسونة النواوى الذى يطلق عليه صاحب المشيختين، أى الذين تولوا المشيخة مرتين مثل الإمبابى والبشرى، والمراغى وعبدالمجيد سليم، ومنه خرج إمام الدين والدنيا الشيخ المراغى، الذى أغلظ للملك فاروق الذى طلب منه فتوى بعدم زواج الملكة فريدة بعد طلاقه لها، فقال له: «أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه»، والذى أصر على تغيير البروتوكول الملكى حتى يدخل شيخ الأزهر والعلماء قبل رئيس الوزراء، والذى قال عنه «العقاد»: «إذا وجد بعد الشيخ محمد عبده من يستحق لقب الأستاذ الإمام فهو الشيخ المراغى»، كان قبل المشيخة موضع ثقة المراغة كلها، وكان المسيحيون يتركون ودائعهم لديه، وكان يعادى الإنجليز ويكره استغلالهم واستعمارهم لمصر ويجاهرهم بذلك حتى كتبت التايمز البريطانية عنه: «أبعدوا هذا الرجل إنه أخطر على بلادنا وحياتنا من ويلات الحروب»، فهو الذى جمع التوقيعات لسعد زغلول، وقد استقال اعتراضاً على تدخل الملك فؤاد فى شئون الأزهر، ولكنه عاد أمام إلحاح المظاهرات الطلابية الحاشدة التى طالبت بعودته، وهو أصغر من تولى مشيخة الأزهر 47 عاماً ومن أعظم حكمه: «آتونى بما ينفع الناس وأنا آتيكم بالدليل»، كل من عاشره قال إنه بلغ النهاية فى الخلق والتهذيب، ونعاه حينما مات مئات الآلاف، منهم من ليس على دينه مثل مستر «دوبلس»، رئيس مجلس الكنائس ببريطانيا. وقد سئل الشيخ الطيب، شيخ الأزهر الحالى، مَن أعظم أساتذتك؟ فقال: عبدالحليم محمود؟ وماذا أنت فاعل بالأزهر؟ قال: سأعيد له عهد الشيخ المراغى، وكان ذلك فى بداية صعوده كرسى المشيخة، ومنهم الشيخ محمد سيد طنطاوى، الذى يعد أكثر شيوخ الأزهر من ناحية الإنتاج العلمى بعد الشيخ د. عبدالحليم محمود، الذى كان يعد موسوعة متحركة، ولكن لم يتفهم أحد رسالته وقتها.

مشكلة الشيخ طنطاوى أنه كان رجلاً صريحاً صادقاً فى زمن لا يتحمل صراحته، ومن حسناته الكبرى بناء صروح أزهرية كبرى فى عهده منها المشيخة الجديدة، ومركز مؤتمرات الأزهر العالمى، وغيرهما، وقد كان الشيخ طنطاوى محباً للإسلام والرسول، وكان يعشق البقاء فى المدينة إلى جوار حبيبه النبى، وقد حزن لانتهاء خدمته فى الجامعة الإسلامية بالمدينة، وبكى كثيراً لفراقه لأنه كان يتمنى الموت إلى جوار الحبيب والدفن فى البقيع، فإذا بالقدر الرحيم يعيده إلى المدينة المنورة، ففى نهاية أحد المؤتمرات وقبل ركوب الطائرة بقليل من مطار المدينة إذا بالمنية توافيه فتتحقق أمنيته التى طالما عاش لأجلها، ولو كان وقتها راكباً الطائرة لدفن فى مصر، إنه الإخلاص الذى غمر قلوب هؤلاء المشايخ فجعل حياتهم كلها لله، وقد أعقبه فى المشيخة د. أحمد الطيب، وهو من الأقصر والصعيد، وقد تحمّل وهو على سدة المشيخة ما لا يتحمله بشر، فصبر صبراً جميلاً، وعفّ عن منازلة السفهاء من كل الاتجاهات، وأخذ يطور ويفعّل دور الأزهر فى صمت وأناة وتؤدة، متعففاً عن مغانم الكراسى أو هدايا الملوك والسلاطين، حتى إنه يعد من القلائل فى تاريخ الأزهر الذى جاء فى وقت عصيب فتحدى كل الصعاب ونهض بالأزهر نهضة كبيرة وقام بأعمال لم يقم بمثلها سوى الشيخ عبدالحليم محمود، وآخرها وثيقة الأخوَّة الإنسانية التى وقّعها فى الإمارات مع بابا الفاتيكان.