أصول عفية «خاملة» في كتاب «تحيا مصر»
يضع الكثير من البشر آمالاً وطموحات بعرض الدنيا والآخرة على وزارة الزراعة وناظرها، دون الوضع فى الاعتبار الطبيعة الحقيقية لمهمة النظارة والناظر على السواء. ولأن وزارة الزراعة بالذات ليست مجرد ديوان يحمى تحت سقفه وزيراً يؤدى وظيفة سياسية ومديراً لملفات استصلاح الأراضى وإنتاج الأغذية النباتية والحيوانية والسمكية، فيجب لفت نظر البعض ممن لا يعرفون طبيعة هذا الكيان إلى عدة أمور، نوجز هنا بعضها:
وزارة الزراعة، مثل باقى وزارات الحكومة المصرية، تتفرع إلى عدة قطاعات إدارية وفنية، أهمها: قطاع الإنتاج الذى يكافئ ترسانة إنتاجية، لما يملكه من أطيان زراعية، ومزارع حيوانية متكاملة، ومشروع لإنتاج بيض المائدة، وغيرها، وبالتالى فإن نجاح هذا القطاع فى مهمته يمثل حلقة حاكمة فى النتيجة العامة للوزير ووزارته، وحسناً ما فعله الوزير الحالى فى إسناد إدارته لباحث شاب نجح فى تحويله إلى «فاعل» بدلاً من «خامل». قطاع الخدمات والمتابعة يعد وزارة موازية لوزارته، لكن رئيسه يظل مجرد سكرتير لتنظيم اجتماعات 7 إدارات مركزية تتبعه، وأهمها إدارة شئون المديريات التى تحكم 28 مديرية فى 27 محافظة، وأظنها وحدها -أى الإدارة وليس القطاع- كافية لإناخة ظهر الوزير، أو شد عوده، حسبما يشاء رئيسها، وهو اللاعب الأساسى ورأس الحربة فى فريق الزراعة المصرية، ولا سبيل لتفعيل هذا القطاع إلا بتكليف مهندس من الأقاليم، تلقفته مسئوليات فنية وإدارية فى فنون هذا القطاع.
- قطاع الثروة الحيوانية التابع للوزارة أيضاً، يرقى لمستوى وزارة للأمن الغذائى، ويجب أن يتبع وزارة التموين إدارياً، حيث تنحصر مهامه فى ترتيب ملفات مستوردى مستلزمات تربية الدواجن والماشية، كتاكيت، أمهات، وخامات أعلاف، إضافة إلى استيراد عجول اللحم، والعجلات العشار، إضافة إلى تحصيل رسوم استيرادها، وإصدار تراخيص إنشاء المزارع بأنواعها. هذا القطاع ليس له علاقة البتة بالإنتاج الداجنى أو تربية الماشية أو الإنتاج السمكى من النواحى الفنية، لكنه مسئول عن استقبال طلبات الاستيراد، وعقد اجتماعات اللجان الإدارية والفنية الخاصة بتقييم حالة المزارع قبل ترخيصها، ويضم أكثر من 200 موظف يزدحم بهم دولاب العمل، ويعطل عجلاته، فتكون النتيجة العامة مساوية لمخرجات «الخمول»، والبديل: كمبيوتر وموظفان اثنان على شباك واحد، لتنظيم عمل لجان هيئة الخدمات البيطرية.
قطاع استصلاح الأراضى من القطاعات الحيوية التى تصب فى صميم عمل وزارة الزراعة، كونه المسئول عن التوسعات الزراعية فى الأراضى القابلة للاستصلاح، وذلك بالتعاون مع المعاهد البحثية التابعة لمركز البحوث الزراعية، فيما يتعلق ببحوث الأراضى والمياه والبيئة، لكن عمله قد يتعارض مع قطاع الهندسة الزراعية (الميكنة) الذى يدير عدداً هائلاً من محطات الميكنة الزراعية فى معظم محافظات مصر، ويتوازى مع أهداف هيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية، ويتماس مع «مسمى» هيئة الإصلاح الزراعى، والحل فى كيان واحد يختصر هذه الكيانات ولا ينسخها.
وعن قطاع الميكنة يطول الحديث، حيث تحولت محطاته إلى مخازن للخردة، لتصبح بلا مبالغة رمزاً لمصطلح «الأصول غير المستغلة»، ولم تفلح معها الدراسات المستفيضة التى قُدِمت على طاولات عدد من الوزراء السابقين، للنهوض بها كشركات مستقلة تحقق الربحية، وبذلك يمكن إعادتها إلى جادة الصواب، وربطها بالهدف الذى بنيت من أجله، وهو توفير الآلات للفلاحين والمزارعين، على اختلاف أحجامهم، لعمليات زراعية شاملة، بداية من تجهيز الأرض، وزراعتها، حتى حصادها، لكنها أصبحت تسير بنظام الـ«سالنسيه»، وتحولت معداتها إلى هياكل خردة، بينما تحول مهندسوها وسائقوها وفنيوها إلى مجرد موظفين، فى انتظار الرحمة بالتصفية.
قطاعا الاستصلاح والميكنة، جاهزان بدون مخاوف للدمج مع جهاز تحسين الأراضى، وهو هيئة تم تأسيسها كهيئة مستقلة تتبع وزارة الزراعة، بالقرار الجمهورى رقم 2431 لسنة 1971، باسم الهيئة العامة للجهاز التنفيذى لمشروعات تحسين الأراضى.
ولدى هذه الهيئة مهام جسام تتعلق بمنظومة غائبة عن البال، وتتفق مهامها مع صميم عمل القطاعين السابق ذكرهما، وجميعها تصب فى مصطلح واحد هو «المشروع القومى لصيانة التربة المصرية»، وللقطاعين إذا أراد أى وزير، باع طويل من الخبرة فى هذا المجال، شرط أن يضمهما كيان واحد تحت عباءة الهيئة العامة لجهاز تحسين الأراضى.
نهاية: مؤكد أن ترشيح أى قيادى لمنصب وزير الزراعة واستصلاح الأراضى، يعنى أنه قد اطلع على أهداف الوزارة المدونة فى قرار إنشائها، ملخصة فى نقطة واحدة مدمجة، هى:
- النهوض بالسياسة الزراعية التى تكفل تنمية الثروة الزراعية وزيادة مساحة الأراضى المستصلحة، والنهوض باقتصاديات الريف بمختلف الوسائل، وأظنه هدفاً غير مستحيل التحقيق فى كتاب «تحيا مصر».