الإخوان في أوروبا.. زوايا أخرى للتغلغل والاختراق (2)
- منطقة سكنية
- وزارة الدفاع
- وسائل إعلام
- يوم الاثنين
- أبل
- أنا
- أنباء
- منطقة سكنية
- وزارة الدفاع
- وسائل إعلام
- يوم الاثنين
- أبل
- أنا
- أنباء
ما زلنا هذا الأسبوع نستكمل قراءة واستعراض التقرير المهم الصادر عن مشروع مشترك بين مركز جلوبسيك (GLOBSEC) بسلوفاكيا، ومشروع مكافحة التطرف (CEP) الأشهر أوروبياً فى هذا المجال. أهميته تبرز كونه يتناول أنشطة جماعة الإخوان وفروعها، فى منطقة ظلت معتمة لسنوات رغم أن مواقعها الجغرافية قريبة الصلة بالمكون الأوروبى، بل وتقع فى القلب منه. كما أسلفنا فى المقال السابق أن التقرير رصد أهم أشكال التغلغل والتقدم الذى حققه تيار الإسلام السياسى فى بلدين من وسط أوروبا هما البوسنة والهرسك ومقدونيا الشمالية، اشتمل الجزء الأول على ما يتعلق بالبوسنة، واليوم نستكمل ما بدأناه فيما يخص جمهورية مقدونيا الشمالية. حيث تضم مقدونيا الشمالية مجموعة متنوعة من السكان المسلمين يمثلون خليطاً من العرقيات الألبانية والتركية والسلافية، ويشكلون نسبة تقدر بنحو الثلث 33% من إجمالى عدد السكان، فى حين تمثل الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية نحو 65% من إجمالى سكان هذه الدولة، التى تقع وسط شبه جزيرة البلقان حيث تقع بدورها فى جنوب شرق أوروبا.
الجدير بالذكر أن دولة مقدونيا واحدة من الدول التى ولدت من الرحم اليوغسلافى، وأعلنت استقلالها عام 1991 تحت مسمى جمهورية مقدونيا اليوغسلافية، قبل أن تصبح عضواً كاملاً فى الأمم المتحدة اعتباراً من العام 1993. وبعد أن حلّت الدولة الوليدة خلافاً مع اليونان حول التسمية المقدونية، اتفق بمقتضاه على أن يكون الاسم الرسمى للدولة هو «جمهورية مقدونيا الشمالية»، حيث وقّع الجانبان فى يونيو 2018 اتفاقاً على الحدود بين البلدين بالقرب من بحيرة «بريسبا»، ومنها اشتقت الاتفاقية اسمها وهى التى فتحت لمقدونيا الشمالية الطريق للانضمام إلى دول حلف شمال الأطلسى «الناتو» فى العام التالى 2019. فهى تتميز فعلياً بموقعها الجغرافى الذى يتجاور مع صربيا من الشمال، وبلغاريا من الشرق، وألبانيا من الغرب، واليونان من الجنوب.
التقرير المشار إليه حدد الكيان المعروف بـ«الطائفة الدينية الإسلامية» باعتباره الممثل الرسمى للمسلمين بجمهورية مقدونيا الشمالية، وفق ما أعلن بشكل رسمى فى العام 1991 بعد الاستقلال مباشرة عن الدولة اليوغسلافية، فى حين يظل «منتدى منظمات الشباب والطلاب المسلمين الأوروبية» هو المنظمة الأكثر ارتباطاً بشبكة الإخوان المسلمين الدولية، ويعرف اختصاراً بـ(FEMYSO)، ويعد أحد مكوناته الفرعية المعروفة باسم «منتدى الشباب الإسلامى» (FRI) بمدينة «تيتوفو»، الأكثر انتماءً إلى التيار الإخوانى، حيث يقوم بإدارة عمل عشرات الآلاف من المتابعين وزوار حسابات منتدى منظمات الشباب على منصات التواصل الاجتماعى، خاصة «فيس بوك وتويتر وإنستجرام» ومتابعى مقاطع موقع «يوتيوب» المصورة التى يبث عليها الخطب والدروس الخاصة بالتيار الإسلامى.
مما تميز به التقرير أنه كشف على نحو بارع عملية «التعتيم» التى يحاول «منتدى منظمات الشباب والطلاب المسلمين الأوروبية» و«منتدى الشباب الإسلامى»، ممارستها عن علاقتهما بتنظيم الإخوان، وتوخى الحذر الشديد فى ذلك. فقد أوضح الباحثان العاملان على التقرير أنه رغم نشر مقال واحد فقط عن حياة وعمل مؤسس جماعة الإخوان المسلمين «حسن البنا»، على مواقعهما بشبكة الإنترنت، فإن أنشطة «منتدى الشباب الإسلامى» بشكل أساسى تتمحور حول التعليم والمساعدات الإنسانية، بذات الصيغ المستخدمة فى فروع تنظيم الإخوان فى البلدان العربية وبنفس نبرة خطابه المميزة. ثمة فعالية مهمة لفتت الانتباه بشكل كبير، عبر تنظيم المنتدى مؤتمراً فى أغسطس 2010 بعنوان «الإسلام فى أوروبا.. خطر أم إنقاذ؟»، وقد حظى باهتمام واسع، خاصة مع حضور «هانى رمضان»، شقيق الأكاديمى الإخوانى الشهير «طارق رمضان»، حفيد حسن البنا، هذه الفعالية التى حظيت حينها بتغطية إعلامية واسعة، المفارقة أنه لا أثر لها على موقع المنتدى بشبكة الإنترنت.
إمساك طرف هذا الخيط الوارد بالتقرير يكشف العديد من شبكات الارتباط، فقد كان أحد المشاركين البارزين فى هذا المؤتمر هو منظمة ليجيس (LEGIS)، التى أسستها «ياسمين ريدجيبى» كمنظمة غير حكومية فى مقدونيا الشمالية عام 2009، «ريدجيبى» هذه كانت مشاركة فى «أسطول الحرية» التركى الذى كان متوجهاً إلى غزة فى مايو 2010، فضلاً عن أن هناك اثنين من العناصر القيادية الإخوانية المصرية، محمد البلتاجى وحازم فاروق، وثيقا الصلة بأعمال منظمة «ليجيس» المقدونية منذ تأسيسها ومثّلا خيوط الربط بينها وبين التنظيم الدولى، ويبدو أنهما كانا صاحبى فكرة مشاركة المنظمة بهذه الرحلة البحرية، أو على الأقل نقلا تكليف مكتب الإرشاد الدولى لمديرة ومؤسسة المنظمة حتى تشارك بنفسها فى هذه المغامرة، حيث تزاملا معها على متن السفينة «مافى مرمرة» الشهيرة التى قادت تلك الرحلة لقطاع غزة. وفى تفكيك أكثر ارتباطاً بتلك العلاقات البينية ما بين تركيا والتنظيم الدولى للإخوان، وفى ظل كل ما جرى ويجرى على هذا النحو، تكشف أن «أسطول الحرية» مدار من قبَل «جمعية خيرية» تركية هى «المؤسسة التركية لحقوق الإنسان والحريات والإغاثة الإنسانية»!
لم يقف التوغل التركى بالطبع عند هذا الحد؛ فقد مثّل «أسطول الحرية» إحدى أمارات عمليات التغلغل الإخوانى، إنما يظل مجمل المشهد أبعد وأوسع من ذلك بكثير، فتأثير «العدالة والتنمية»، الحزب الحاكم والممثل للمشروع الإخوانى فى تركيا، كما له هذا الارتباط الكبير بمنظمة «ليجيس»، يحرص على ممارسة النفوذ السياسى على أحد مكونات العملية السياسية المقدونية، من خلال نجاحه فى اختراق «حزب بيسا»، الذى ينتمى ليمين الوسط وأنشئ فى العام 2014. مظاهر هذا الاختراق تمثلت فى دار النشر التابعة للحزب، التى تخصصت فى نشر المجموعات الكاملة لمؤلفات «حسن البنا ويوسف القرضاوى وسيد قطب»، بل وتوسع الأمر ليشمل جميع منصات الحزب الإعلامية، التى يتصدرها منذ تاريخ إنشائه وحتى الآن ما يشبه التوافق الكامل مع مواقف «أردوغان» السياسية، حيث يتمتع عليها بحملات ترويج إعلامى ممنهج فيما يتعلق بمجمل القضايا الإقليمية المنخرط فيها الرئيس التركى، فضلاً عن ما يخص مشروع العثمانية الجديدة، الذى يتوافق مع الهوى الألبانى الذى يمثله «حزب بيسا» المعبر عن تلك العرقية داخل الحياة السياسية بمقدونيا الشمالية.