«الجفرى»: التهور فى قضية الإعجاز العلمى فتح باباً للإلحاد.. والقرآن كتاب للهداية وليس علماً مادياً

«الجفرى»: التهور فى قضية الإعجاز العلمى فتح باباً للإلحاد.. والقرآن كتاب للهداية وليس علماً مادياً
- خيرى: أهلاً وسهلاً بحضراتكم وحلقة جديدة من «لحظة سكون»، فى هذه الحلقة ما زلنا فى دائرة علاقة العلم بالدين. هل العلم ينفى ما جاء فى الدين؟ هل العلم يُثبت أن الدين، دين والعياذ بالله كاذب، ما يأتى فيه يحتاج إلى دليل، أما العلم فهو يستند إلى دليل بالفعل؟
الجفرى: جميل، الحمد لله وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد. هنا ثلاث إشكاليات فى سؤالك نتعرض لها كثيراً. أولاً، كيف ترد دلالات النظريات العلمية باعتبار أنها لم تثبت كدلالة وإنما ثبتت كنظرية، أن هذه النظرية لم يثبت لنا أنها دليل على نفى العقيدة، ثم أنت تريد أن تستدل لى على عقيدتك بأخبار وردت فى نص، والذى هو القرآن الكريم. والرد على هذه الإشكالية ببساطة أن هذا قفز على المنطق. تعالوا نسأل ما مصادر المعرفة؟
مصادر المعرفة عند الكثيرين ممن أخذوا فلسفة ما بعد الحداثة تقتصر فى وصفها للعلم على شىء واحد يعنى المعرفة Knowledge، وترجمة كلمة Science عندنا هى العلم، ولذلك أنت قلت فى بداية الحلقة العلم والدين. الحقيقة أن هذا جزء من العلم، نحن فى ثقافتنا، وكثير من العقلاء من البشر اليوم، بل من المتخصصين فى العلوم المادية يؤكدون أن العلم التجريبى المادى المحسوس ليس المصدر الوحيد للمعرفة. عندنا ثلاثة مصادر للمعرفة هى الحس أى العلم التجريبى المادى، والعقل أى القواعد العقلية الإنسانية، والخبر الذى جاءنا فى النصوص الثابتة المقدسة.[FirstQuote]
الإشكالية الكبرى هنا فى إيماننا بما جاء فى الخبر، والرد على ذلك أن الإيمان بما جاء فى الخبر، أو اعتبار ما جاء فى الخبر علماً، هو يُبنى على الدليل العقلى أولاً، ثبت عقلياً أن هذا كلام الله، إذن ما فيه حقيقى. ثانياً، لدينا إشكالية كبيرة فى أن بعض الذين أرادوا أن يثبتوا دين الناس، وأن يؤكدوا الإيمان فى قلوبهم، تعجلوا فى الحديث عى الإعجاز العلمى فى القرآن.
وقد ذكرت فى الحلقة الماضية أنى لا أنفى وجود إعجاز علمى فى القرآن، وأرى أن الإعجاز الأعظم فى القرآن هو الحث على العلم، والحث على التعلم، والحث على السير فى الأرض، والتدبر، والتفكر، ولهذا قامت نهضة من أعظم النهضات العلمية فى العصور الوسطى، التى هى رمز الظلامية فى الغرب كانت رمزاً للتنوير فى نفس الوقت عندنا.
لكن عندما أراد البعض أن يستدل بالإعجاز العلمى فى القرآن حصلت كثير من التهورات فى ذلك، فصار يؤتى بعبارة من القرآن الكريم، أو بآية منه، فيها لفظة تحتمل أكثر من معنى وأكثر من مفهوم. وصار البعض ينظر إلى نظرية من النظريات، ويقول أيوه، هذه موجودة هنا فى القرآن، ويصعد للناس يصفقون ويكبرون لأنه جاء بإثبات أن هذه الآية نصت على هذه النظرية.
طيب الآية هنا ليست قطعية الدلالة، بمعنى أن الآية تحتمل الكلام الذى فى النظرية، وتحتمل كلاماً آخر، لكن هذا التعجل، وهذا التهور، جعل البعض يلصقون بعض النظريات فى القرآن، ثم جاءت نظريات أخرى تدحض النظريات السابقة، التى اعتبروها موجودة فى القرآن، فأراد البعض أن يعالج المسألة فقاموا يركضون إلى أخذ المعنى الثانى الموجود فى الآية الاحتمال الآخر للمعنى، وحاولوا أن يلصقوه بالنظرية الجديدة.[SecondQuote]
- خيرى: كأنهم يؤكدون أن هذا الكلام صحيح ومن عند الله.
- الجفرى: ليست هذه الطريقة الصحيحة للتدليل على القرآن، هذا أضر وفتح مجالاً للإلحاد لم يكن يخطر بالبال بأن الناس صُدمت وظنت أن هذا بالفعل هو ما جاء به القرآن.
لا يجوز أن ينزل شىء من الإخبارات القرآنية المتعلقة بالكون، أو بالعلوم المادية المحسوسة على الواقع إلا بشرطين؛ أن تكون قطعية الدلالة، وهذا نادر فى القرآن فى الأمور الكونية، والثانى، أن تكون النظرية التى يراد التطبيق عليها أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للتراجع.
خيرى: وهذا نادر لأن النظريات العلمية تتغير بتطور الزمن.
الجفرى: نعم، والمشكلة الثالثة، هل القرآن فى الأصل كتاب علم مادى كونى؟ هل أنزل القرآن ليكون كتاباً علمياً مادياً تجريبياً؟ لا، القرآن نزل كتاباً للهداية للدلالة على الله، ولفتح أبواب التقرب إلى الله ومعرفته، وجعل سبباً من أسباب معرفة الله والنظر فى هذا الكون والتفكر.
إذن ليس القرآن كتاب طب، أو كتاب هندسة، أو كتاب فيزياء، أو جيولوجيا. أشار إشارات إلى هذه العلوم، تحويل الأمر إلى تكلف هو إحدى المقدمات التى سببت الإشكاليات الموجودة عن الشباب.
خيرى: بعض أصحابنا وأصدقائنا الملحدين يرى أن سبب إلحادهم، أن وصف القرآن للكون وصف غير حقيقى تماماً، ويقولون إن الحقيقة إللى إحنا عايشينها مش موجود أى شىء ليها مطابق فى القرآن، كيف ترى ما طرحه الأصدقاء؟
الجفرى: قضية اعتبار أن انفجار الكون العظيم دليل على عدم صحة القرآن تؤدى إلى الضحك الذى يشبه البكاء، لأنها أحد أسباب رجوع كثير من الشباب الذين جالسناهم بعد أن كانوا ملحدين وأصبحوا مؤمنين. هم يحكون لنا سبب رجوعهم أنهم قرأوا آيات خلق الكون وقارنوها بالانفجار العظيم، بل أريد أن أزيد شيئاً آخر، أن الانفجار العظيم كان أحد الأدلة التى رد بها كثير من علماء الفيزياء غير المؤمنين بوجود الله، على من ادعى أن التطور دليل على أن الكائنات لا أولية لها. يعنى الذين أرادوا أن يستدلوا بوجود نظرية التطور، معناه فيه تطور يبقى إللى نحن نعرفه هذا تطور من شىء قبله. وهذا الشىء تطور من شىء قبله. وهذا إلى ما لا أزلية، لا يوجد وقت لم يكن هناك فيه شىء، بمعنى نفى وجود العدم من الوجود، عندما أرادوا أن يستدلوا بالتطور على أزلية الوجود، رد عليهم أناس من كبار علماء الفيزياء بأن الانفجار الكونى العظيم يدل على خطأ نظرية أزلية الكون.
خيرى: ليه؟
الجفرى: لأن الانفجار يدل على أن الكون لم يكن موجوداً، وجاءت الخلية الأولى وانفجر الكون، السؤال، من الذى جاء بالخلية الأولى؟ ولهذا عندما نوقش دوكنز، داعية الإلحاد الأشهر، وعندما وقف أمام هذه الأدلة العلمية، وعجز عن الرد عن دلالاتها، قال إن الربوبيين لديهم دليل، يعنى، لديهم أدلة محترمة نستطيع أن نحترمها. من أين تأتى المشكلة؟ أولاً من التهور الذى ذكرناه مع الإعجاز العلمى فى القرآن، والمشكلة الثانية تأتى من القراءة بغير معرفة كما ينبغى.
البعض يستشهد بآيات من القرآن بقوله تعالى «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا»، على أن هذا هو الانفجار العظيم، وفهم من السماوات والأرض أن الأرض عدل السماء، وأن الأرض بحجم السماء. من قال إن اللغة العربية هنا تُلزم القارئ هذا المعنى؟!
الآية تقول كانتا رتقاً ففتقناهما، هذا لا يتعارض أبداً، أنا أقول هنا، انتبه كلامى دقيق، هذا لا يتعارض أبداً مع الانفجار العظيم. لن أقول إنه دليل على الانفجار العظيم لأنى لو قلت إنه دليل عليه لزمنى أن أعتبر أن القرآن ألزمنى بنظرية الانفجار العظيم، لا، نظرية الانفجار العظيم شىء فيزيائى، يرجع إليه أهل الاختصاص ويعملون عليها فى الفلك والفيزياء والكيمياء. لكن الشىء الذى يعنينى هنا، هل الانفجار العظيم تصادم مع نص القرآن؟ أبداً، ما تصادم، كانتا رتقاً ففتقناهما، الرتق هو الشىء الملتصق الواحد، ففتقناهما، انتشر، أى أن الأرض والسماء. الأرض بكل ما تحوى، والسماوات بكل ما تحويها. أى الكون الذى نعيش فيه، الذى توصل الناس إلى معرفته كان خليةً واحدة فانفجرت هذا معنى يتفق معها. لا ألزم القرآن أن هذا هو المقصود. لكن لا يوجد تناقض.
تعال للحظات نتأمل، سأقرأ مما أخذته مما نُقل بتوثيق من علماء الاختصاص، لأنى لست من أهل الاختصاص، لهذا سأقرأ من كلام أهل الاختصاص. عندما يأتينا التقرير العلمى الفيزيائى يقول إن النسبة بين الإلكترون والبروتون هى واحد إلى عشرة أس سبعة وثلاثين. والنسبة بين القوة الكهرومغناطيسية والجاذبية هى واحد إلى عشرة أُس تسعة وخمسين. الثابت الكونى واحد إلى عشرة أوس مائة واثنين وعشرين. هذه الأرقام تحدد القيم الفيزيائية للثوابت الكونية. تعلمون ما معنى واحد إلى عشرة أس أربعين؟ يعنى واحد على عشرة تريليونات من تريليون من تريليون تريليون تريليون تريليون تريليون مرة!
يقول النموذج فى الكون فى لحظة الانفجار الكونى، هى تحدد بنسبة 100 ألف إلى واحد، ولو نقص التموج بأقل مقدار لظل الكون على صورته الغازية، ولم تتشكل الكواكب. ولو زادت النسبة بأقل مقدار لأصبح الكون مجرد ثقب أسود كبير. لهذا يقول عالم الكونيات الأمريكى «ماكس تيك مارك» إذا كانت القوة الكهرومغناطيسية أضعف مما هى عليه الآن بأربعة فى المائة فقط لانفجرت الشمس فور تكونها، وستصبح نفس النتيجة إذا زادت القوة الكهرومغناطيسية على ما هى عليه، ولهذا يقول إن ثوابت الطبيعة تبدو معدة بعناية عند مستوى ما.