تمرد "النديم".. حكاية سيرة ذاتية جسّدها أحمد زكي بصوته فقط

كتب: محمود عباس

تمرد "النديم".. حكاية سيرة ذاتية جسّدها أحمد زكي بصوته فقط

تمرد "النديم".. حكاية سيرة ذاتية جسّدها أحمد زكي بصوته فقط

ألفه الملايين بارعا في تجسيد أي شخصية ينوي تقليدها، فتارة يرتدي ثياب رئيسين للبلاد يؤرخ بهما فترة شديدة الأهمية من تاريخ البلاد، بدأت بثورة وانتهت بمعاهدة سلام، وأخرى يرونه يجسّد حياة عندليب تشوّق الكثيرون لمعرفة سيرته، إلا أنّ كل تلك التجارب ما كانت لتكتمل، من دون وقوف "الامبراطور" أمام ميكروفون الإذاعة، يروي بصوته فقط سيرة لم يُعرف لصاحبها صوت أو شكل محفوظ.

"المتمرد".. كان بوابة النجم أحمد زكي، الذي تمر اليوم ذكرى ميلاده الـ71، للدخول في أعماق شخصية عبدالله النديم، عبر مسلسل إذاعي أُنتج في أوائل الثمانينيات، لم يهتم في المقام الأول، بإظهار معارك خطيب الثورة العرابية ضد الخديوي أو حياته العسرة في المنفى، وإنّما اهتم بسرد سنوات عمره الأولى وما شهدته من عقبات مر بها على الأصعدة كافة، المهنية منها والعاطفية.

صوت أحمد زكي الذي يكسوه الهدوء والحيرة أحيانا، جسّد الملمح الأول من معاناة النديم، الذي تمثل في معركة فُرضت عليه من ذوي مهنته، إذ روى المسلسل الإذاعي، تفاصيل رحلة طويلة قضاها ذلك الزجال الروائي في قرى ونجوع مصر بغية إسماعهم فنه، ليكتسب صيتا زائعا بين أهل الأرياف، الذين كانوا سببا في تلقيبه بـ"النديم"، إلا أنّ الشاب المتمرد قرر أن يعود إلى مدينته الإسكندرية، لينشر فنه المتجدد بين أهله وذويه الذي لم يلق منهم إلا إقصاء ورفضا لموهبته.

لم تغب الرومانسية عن أداء الامبراطور، وهو يجسد قصة حب عبدالله النديم وزوجته روحية، التي عرفها مذ كانت طفلة تعيش في كنف معلمه الشيخ العشري، وتحملت لأجله الكثير من الصّعاب، وصبرت على غربته عنها، لنشر فنه حينا وكسب لقمة العيش حينا آخر، إلا أنّ قصة "النديم" مع حبيبته عكست مدى الانسجام بين النجم أحمد زكي والفنانة صفية العمري، والتقيا في أعمال السير الذاتية، التي بدأت بمسلسل "الأيام" الذي جسد حياة عميد الأدب العربي عبر شاشة التليفزيون.

كراهية "النديم" للفساد والاستبداد، وجدت ضالتها في صوت أحمد زكي الذي عبر عن رفض الخطيب المفوه للظلم في كل وظيفة شغلها، سواء عامل للتلغراف ببنها أو موظف بقصر "خوشيار هانم"، والدة الخديوي إسماعيل، أو معلما لأولاد عمدة مركز جداواي بفارسكور، إلا أنّ كل المظالم التي تعرض لها النديم في تلك الوظائف كانت بوابته لانتهاج العمل الوطني والتتلمذ على يد جمال الدين الأفغاني، والانضمام لكتيبة العرابيين الذين ثاروا ضد الخديوي توفيق عام 1881.

حماس أحمد زكي لتجسيد شخصية عبدالله النديم في الإذاعة، فسّره الناقد الفني طارق الشناوي بأنّها مساحة يظهر فيها الامبراطور قدر أكبر من الإبداع، فغياب صورة النديم عن الأذهان وعدم معرفة الجميع بصوته الحقيقي، أعطى للنجم أحمد زكي أن يجسده وفقا لموهبته الكاملة بعيدا عن التقمص، عكس ما حدث مع تجسيده لشخصية عبدالناصر أو السادات، اللذين يحفظ الجميع شكلهما وطريقتهما في الحديث أو الخطابة.

لم يخف زكي من تجسيد أي سيرة ذاتية تُعرض عليه، وكان واثقا من قدرته على مواصلة النجاح في كل مرة، لعشقه الشديد للتقليد، حسب حديث الشناوي لـ"الوطن"، بدليل أنّ مشهدا واحدا مثّله زكي في مسرحية "هاللو شلبي"، كان معتمدا على التقليد بشكل كبير، وترك أثرا واضحا مع الجماهير، وكان مدخلا للوصول إليهم من أقصر طريق.

يرى الشناوي أنّ أعمالا أخرى لأحمد زكي، ربما تعيش في أذهان عشاقه بقدر أكبر من السير الذاتية، مستدلا على ذلك بأفلام "البريء" و"اضحك الصورة تطلع حلوة" و"زوجة رجل مهم"، لأن تلك الأعمال أخرج بها أحمد زكي قدراته الفنية التي تعتمد على موهبته بشكل أساسي، دون المقارنة مع أي شخصية يجسدها في أعمال السير الذاتية.


مواضيع متعلقة