البيانو والمدفع.. "نابليون" يهزم "بيتهوفن"مرتيْن
الإمبراطور يكبر الموسيقار بعام، ولد نابليون بونابرت عام 1769، وولد بيتهوفن عام 1770.
كانت أوروبا تعيش فى تلك الفترة من القرن الثامن عشر تقدماً وتحضّراً تتوالى معالمه. لكنها كانت فى الوقت نفسه تُواصِل جرائم الاستعمار فى الخارج، وتُفاقِم من الوضع الطبقى فى الداخل.
كان الأمراء والنبلاء والإقطاعيون شديدى الغرور والاستعلاء، وكان الحدُّ الفاصل بينهم وبين عامّة الناس أشبه بسور الصين العظيم، حيث لا توجد فرصة واحدة للعبور من دون مالٍ أو نسب. حاول الأغنياء الجُدد من الطبقة البرجوازية تحطيم السور الأرستقراطى، وإعادة بناء المجتمع على أُسس أقل إقطاعاً. وقد جاءت الثورة الفرنسية عام 1789 بمثابة المحاولة الأكبر لهدم النظام الاجتماعى فى أوروبا، وبناء نظام اجتماعى جديد.
لم تكن الثورة الفرنسية عظيمة فى وقائعها، بقدرِ ما كانت عظيمة فى مبادئها. إذْ حلّت الفوضى فى البلاد، وجرى قتل الناس من دون محاكمة أو دليل. وأمّا النظام الملكى الذى سقط، فقد حلّ محله نظام ملكى جديد.
لقد نصّب نابليون بونابرت نفسه إمبراطوراً على فرنسا، كما نصَّب إخوتَه ملوكاً على أوروبا. وهكذا.. مات الملك وعاش الملك.
كان الموسيقار العالمى «لودفيج فان بيتهوفن» واحداً من نجوم ذلك العصر. لم يكن بيتهوفن أرستقراطياً، لكنّه كان صديقاً لهذه الطبقة المتعالية. وكان يوحى فى أحيانٍ كثيرة بأنه واحدٌ منها. كان بيتهوفن شديد الاعتزاز بذاته، عميق الإيمان بموهبته ومكانته. لم يقبَل أن يعمل عند أمراء ونبلاء الطبقة العليا، واختار أن يكون صديقاً لا خادماً، ونظيراً لا تابعاً.
دخل الموسيقار الكبير الكثير من قصص الحب، كانت جميعها مع فتيات وسيّدات من الطبقة العليا، وكلها لم تصادِف النجاح. لقد كان مجدِّداً فى الفشل بقدر ما كان مجدِّداً فى الموسيقى. فى رسالة إلى صديق له عام 1801، كتب بيتهوفن عن فتاة أرستقراطية ترفض الزواج منه: «لا أتوقع الارتباط بها، وذلك بسبب اختلاف الطبقات». وقد أهدى بيتهوفن هذه الفتاة العمل الموسيقى الشهير «ضوء القمر».
لقد حاول بيتهوفن ترسيخ كوْنه من الطبقة العليا، وكان كثيرون يعتقدون ذلك. ولكن فى إحدى القضايا التى رفعها أمام القضاء النمساوى، جرى الهبوط بقضيته من محاكم الطبقة العليا إلى محاكم الطبقة الدنيا، حيث كانت المحاكم طبقيّة، وكان وضع بيتهوفن الاجتماعى يضعه ضمن عامّة الشعب. وهكذا تم الكشف عن عدم انتمائه للطبقة العليا.
لقد أدّى فشل عاطفى آخر مع سيدة أرستقراطية تُدعى «جوزفين فون برنسفيك» إلى إنتاج عمل رائع واستثنائى.. ذلك أنه يُمثِّل الأوبرا الوحيدة التى كتبها بيتهوفن بعنوان «فيديليو».
كان بيتهوفن كارهاً للطبقيّة الأوروبية، وكارهاً للمجتمع الأرستقراطى فى فيينا. فهو الموسيقار الأكثر عبقرية، لكنه لا ينتمى إلى «الكبار» اجتماعياً، ثم إنه الرجل المهزوم عاطفياً لأنّه لا يمكنه أن يرتقى إلى الزواج بمن أحبّ. كانت بعضهنَّ تلميذاتٍ له فى الموسيقى، ولكنّ التلميذة التى صارت حبيبة.. لا يمكنها أن تهبط إلى مستوى الأستاذ!
هكذا تولّدت «ثورية» بيتهوفن، أصبح يتمنّى إسقاط هذه النظم السياسية، ونسْف ثقافتها الاجتماعية. ولمّا ظهر نابليون بونابرت كان من أشدّ المعجبين به. وكان يراه «البطل» و«الأمل». وتمنّى أن يراه وقد أسقط كل عروش أوروبا.
لقد جعل بيتهوفن «السيمفونية الثالثة» باسم نابليون بونابرت. غيْر أن إعلان بونابرت نفسه إمبراطوراً، وحلول الاستبداد الجديد محل الاستبداد القديم، والعروش الجديدة محلّ العروش القديمة.. جعل بيتهوفن ينقلب على الحلم، ويهاجم الأمل. ثم سرعان ما حذف اسم نابليون لتصبح السيمفونية الثالثة من دونه.
كانت هذه هى الهزيمة الأولى التى ألحقها نابليون ببيتهوفن، ثم كان فشل جيش نابليون فى إسقاط الإمبراطورية النمساوية المجرية، والانتقام من حبيباته المتعاليات.
كانت هزيمة يونيو 1813 بمثابة نقطة النهاية لمشروع نابليون، ذهب القائد المهزوم لاحقاً إلى المنفى، وراح بيتهوفن يواجه حقائق الطبقيّة التى عادت أكثر قوة وحضوراً. وكانت هذه بمثابة الهزيمة الثانية التى ألحقها نابليون ببيتهوفن.
لقد خذلَ نابليون بيتهوفن حين دمّر قيم الثورة الفرنسية، ونقلَ فرنسا من «الحالة الثورية» إلى «الحالة الإمبراطورية». ثم خذله -مرة ثانية- حين لم يقضّ مضاجع النبيلات.. اللائى رفضن الموسيقار العظيم لأنّه من عامة الشعب.
لم يكن بيتهوفن بذلك المثالى، بل كان شخصاً عصبياً ونفعياً يضع مصلحته ومكانته فوق كل اعتبار. إنّ بيتهوفن الذى تمنّى سقوط النظام فى فيينا أمام مدافع الجيش الفرنسى، سرعان ما كتب سيمفونية ملحميّة تم عزفها عام 1813 فى حفل خيرى لضحايا الحرب. إنها السيمفونية الشهيرة «انتصار ولينجتون» التى تخلِّد هزيمة نابليون الذى كان يمثِّل الأمل!
فى أوبرا «فيديليو» لبيتهوفن، التى تم عزفها لأول مرة عام 1805، وسط جمهور قليل بسبب نزوح نصف سكان فيينا أثناء الحرب، قام بيتهوفن بعرض قصة ظلم وقعت أثناء الثورة الفرنسية، وفيها تنجح البطلة فى إنقاذ زوجها المسجون ظلماً.
وفى سيمفونية «انتصار ولينجتون» جرى تصوير النصر الكبير على الاحتلال الفرنسى. وهكذا فى أوبرا «فيديليو» وسيمفونية «انتصار ولنجتون».. انتصر بيتهوفن على نابليون هو الآخر مرتيْن!
من المثير أن الحروب النابليونية قد انتهت بحقبة كبرى من السلام الأوروبى. ففى عام 1814 بدأت مفاوضات مؤتمر فيينا، وهى المفاوضات التى أدت إلى معاهدة فيينا عام 1815. إنّها المعاهدة التى كان أحد نجومها رئيس وزراء الإمبراطورية النمساوية المجرية الشهيرة «ميترنيخ»، وهى أيضاً موضوع رسالة الدكتوراه لوزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر فى جامعة هارفارد.
لقد قام بيتهوفن بعزف «أوبرا فيديليو» فى نوفمبر 1814، فى أثناء انعقاد مؤتمر فيينا، وهكذا كانت موسيقى بيتهوفن حاضرة فى المؤتمر الذى قاد إلى مائة عام من السلام، والتى انقضت عام 1914 باندلاع الحرب العالمية الأولى.
وُلد بيتهوفن فى مدينة بون الألمانية، وقد تلقى تعليماً بسيطاً، وكثيراً ما كان يرتكب أخطاء فادحة فى الهجاء، كما لم يكن يجيد من الرياضيات سوى عمليات الجمع والطرح. درسَ بيتهوفن مع موتسارت، وكان صديقاً للموسيقار الشهير هايدن، والأديب الأشهر جوته.
رفض بيتهوفن أن يكون مثل هايدن موظفاً فى دائرة الموسيقى بالقصور الملكية، كما رفض عرضاً من «جيروم بونابرت» شقيق نابليون وملك وستفاليا.. للعمل كعازف فى البلاط الملكى.
تلقّى بيتهوفن دعماً من الأرشيدوق رودولف. والد الأرشيدوق هو الإمبراطور ليوبولد الثانى، وعمتّه هى الملكة مارى أنطوانيت ملكة فرنسا الشهيرة وزوجة الملك لويس السادس عشر.. اللذيْن تم إعدامهما فى الثورة الفرنسية.
وهنا تناقض آخر ضمن تناقضات بيتهوفن، فهو يتلقى الدعم من ابن شقيق ملكة فرنسا، ثم يساند الثورة التى أعدمتها. ثم إن بيتهوفن الذى يخالط الأمراء، ويتلقى دعمهم قد انتقدَ شاعر ألمانيا الأكبر «جوته» وقال: «يبدو أن هواء البلاط يناسب جوته تماماً، أكثر مما يناسب أى شاعر». ولمّا وصل ذلك إلى جوته اعتبر الكلام إساءة له، وقرَّر مقاطعته بقية حياته.
ألّف بيتهوفن (9) سيمفونيات.. من السيمفونية الأولى إلى السيمفونية التاسعة. ويقول مؤرخون إن هناك «السيمفونية العاشرة» لبيتهوفن، التى كتبها فى عام وفاته 1827. وفيها يجرى غناء قصيدة فاوست، لكن الورثة أضاعوها، ولا أثر لها حتى اليوم.
السيمفونية الأولى لبيتهوفن، وكذلك الثانية فيهما تأثُّر كبير بالموسيقار هايدن. وأما السيمفونية الثالثة فهى -حسب بعض المؤرخين- أول «سيمفونية أيديولوجية» فى التاريخ، وهى السيمفونية المتعلقة بالإعجاب، ثم بالغضب تجاه نابليون.. وهى أطول مرتين من أعمال موتسارت وهايدن.
تسمى «السيمفونية السادسة» السيمفونية الرعوية، فهى سيمفونية الريف الجميل: النهر والطبيعة والفلاحون.. فى الصفاء وفى الغضب. تذكّرنى السيمفونية السادسة بنشأتى فى ريف مركز بسيون بدلتا مصر.. ذلك أن الحركات الخمس فى السيمفونية هى الأكثر تعبيراً عمّا كنت أعيشه فى سنوات حياتى الأولى على ضفاف نهر النيل.
فى الحركة الأولى من السيمفونية السادسة يجرى التعبير عن «انبلاج الأسارير بالوصول إلى الريف»، وفى الحركة الثانية «المشاهد الطبيعية على ضفاف النهر»، وفى الثالثة «المشاركة البهيجة لأبناء الريف»، وفى الرابعة «البرق والرعد والعواصف»، وفى الخامسة «الأغانى والبهجة، والامتنان بعد نهاية العاصفة».
لقد كانت حياتى أشبه بتجربة بيتهوفن التى أنتجتْ السيمفونية السادسة.. ذلك الشعور بالرضا والبهجة، ثم موجات القلق والضجر.. من عواصف الطبيعة إلى عواصف المجتمع، ثم ذلك الهدوء من جديد الذى يفصل بين كل موجة وأخرى.. من تقلبات الطبيعة ومعضلات الحياة.
فى عام 1824 جرى تقديم السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وهى أشهر أعمال بيتهوفن، ويعتبرها البعض أعظم سيمفونية فى تاريخ الموسيقى. إنَّ المقطع الرابع والأخير فيها يتضمن قصيدة غنائية للشاعر المسرحى الشهير «فريدريش شيلر»، بعنوان «قصيدة الفرح» كتبها عام 1785. وحسب تعبير أحد النقاد، فإنّ القصيدة هى أروع ما كتب شيلر، والموسيقى هى أروع ما أبدع بيتهوفن.
لقد أصبحتْ هذه القصيدة النشيد الرسمى للاتحاد الأوروبى، وحسب ترجمة للدكتور بهجت عباس.. يمكن الوقوف طويلاً أمام أبياتها الخلّابة: «.. يصبح الشحاذون إخوة الأمراء، أيتها الملايين كونوا متعانقين.. خذوا هذه القُبلة إلى الدنيا كلها. الكائنات كلها تنهل الفرحة من أثداء الطبيعة.. كلّ الأخيار وكلّ السيئين يقتفون أثر ورودها.. لنلغى دفتر ديوننا.. ونتصالح مع العالم كله».
لقد مرَّت الموسيقى فى القرون الأخيرة بعدة مراحل، كانت المرحلة الأولى موسيقى الباروك، التى بدأت -تقريباً - عام 1600 ميلادية، ونجمها الأشهر يوهان سباستيان باخ، ثم حقبة الموسيقى الكلاسيكية، ومن أعلامها هايدن وموتسارت، ثم الحقبة الرومانسية، ومن نجومها شوبان وتشايكوفسكى وفاجنر وشتراوس وفيردى.. ثم كانت موسيقى القرن العشرين. إن بيتهوفن هو ذلك الجسر الذهبى بين الحقبة الكلاسيكية والحقبة الرومانسية.. وهو أشهرهم جميعاً، فى كل الحِقب والعصور.
فى يوليو 2020، وفى ذكرى مرور (250) عاماً على ميلاده، أنتجَ التليفزيون الألمانى «دويتش فيلله» وثائقياً بعنوان «عالم لا يوجد فيه بيتهوفن»، وكان الفيلم إجابة عن سؤال: كيف يبدو العالم من دون بيتهوفن؟ وفى عمل تكريمى آخر، قال قائد إحدى الفرق الموسيقية الأوروبية: إذا جاء شخص من كوكب آخر، وسألَ عمّا يدل على الحضارة الإنسانية، عندها سيكون أفضل شىء هو عزف السيمفونية التاسعة أمامه».
لقد استطاعَ ذلك الرومانسى الفاشل أن ينتجَ روائعَ لم يجد الرومانسيون شبيهاً لها. كما استطاع ذلك الشخص الذى لا يسمع جيداً، ثم لم يعُد يسمع نهائياً أن يمتّع آذان الملايين بروائع خالدة، لا منافسَ لها.
إن تقلُّبات الموسيقار فى السياسة والاقتصاد، فى الثورة والدولة.. فى الحرب والسلام.. وفى الحب والحريّة. كانت جميعها تمضى تحت مظلة واحدة لرجلٍ لم يعد يسمع نفسه. إنها: الإرادة.
إن خلاصة «لودفيج فان بيتهوفن» تكمن فى أمريْن: العزيمة والعمل. لا استسلام إلّا بالموت، ولا انكسار قبل مشهد النهاية. لا هزيمة مع الحياة، ولا حياة مع الهزيمة، إمّا الحياة وإمّا الهزيمة، أما كلاهما.. فلا.