مصطفى كامل وترسيخ فكرة الوطنية المصرية

مرت منذ عدة أيام قلائل الذكرى الثالثة عشرة بعد المائة للإعلان عن تأسيس الحزب الوطنى بزعامة مصطفى كامل، رائد الوطنية المصرية. ومن المثير للأسى ألا يعرف كثير من المصريين من الأجيال الشابة شيئاً عن مصطفى كامل، الذى يعود إليه الفضل الأول فى ترسيخ فكرة الوطنية المصرية. كان تأسيس الحزب وتسميته «الحزب الوطنى» فى مطلع القرن العشرين تأكيداً لفكرة الوطن المصرى الذى يضم المواطنين المصريين، وجاء ذلك بعد مرور أكثر من مائة عام على تولى محمد على حكم مصر عام 1805، وشروعه فى تأسيس دولة مصرية حديثة. كانت شجرة الوطنية المصرية قد نبتت فى عهد محمد على، وارتوت وأينعت بانتصارات الجيش المصرى بقيادة إبراهيم باشا، مؤسس الجيش المصرى الحديث، والتى تزامنت مع كتابات رفاعة رافع الطهطاوى عن الوطن، ثم مع عملية التحديث الشاملة فى عهد الخديو إسماعيل، ابن إبراهيم باشا، الذى نقل مصر إلى مصاف الدول شبه المستقلة، والذى قام بتعيين أول مجلس نظار (وزراء)، وأنشأ أول مجلس نيابى منتخب، باعتبار مصر من الممالك المتمدنة، ولدى أهلها من الأهلية والاستعداد ما يؤيد إنشاء المجلس، وفقاً لوصف الخديو إسماعيل فى خطاب إنشاء مجلس شورى النواب. وكانت الحركة العرابية حلقة من حلقات الوطنية المصرية بقيادة ضباط من أبناء الفلاحين المصريين الذين تدربوا على يد كبار القادة فى الجيش المصرى بزعامة إبراهيم باشا، وتمكن الاحتلال البريطانى من وأد تلك الحركة وإخماد صوت الوطنية المصرية حتى حين. ويعود لمصطفى كامل الفضل فى إعادة إحياء الوطنية المصرية بعد فترة من التراجع عقب هزيمة «عرابى» والاحتلال البريطانى.

وتمثل خطب مصطفى كامل درراً ناصعة فى عقد الوطنية المصرية الفريد، الأمر الذى جعل بعضاً من المصريين غير المؤمنين بالوطنية المصرية، أو من غير المصريين الموتورين من عظمة مصر وتميزها عبر التاريخ، يسم رؤية مصطفى كامل الوطنية بكونها رؤية «شوفينية»، أو بعبارة أخرى رؤية متشددة فى التعصب للوطن. كما حاول آخرون من أنصار الدولة العثمانية البغيضة الادعاء بسعى مصطفى كامل لإنهاء الاحتلال البريطانى وإعادة مصر إلى التبعية للدولة العثمانية. فيما يتعلق بالوطنية «الشوفينية» المتعصبة يلاحظ أن كل الدول المتقدمة، وغير المتقدمة، تحرص على تنشئة أطفالها على الزهو بالانتماء للوطن، حتى لو كان عمر هذا الوطن أقل من القرن، وإن لم يكن فى تاريخها ما يستحق الفخر. لكن عندما يتحدث المصريون عن تاريخ أجدادهم التليد الممتد عبر آلاف السنين تُشهر فى وجوههم سيوف «الشوفينية» والتعصب. ويبدو أن قسماً من المصريين صار يخشى الحديث عن تاريخ أجداده العظام خشية الاتهام الزائف بالتعصب. من حق كل مصرى ومصرية أن يفخر بتاريخ مصر العظيم وبحضارتها الفريدة، وأن يعود إلى خطب مصطفى كامل، أفضل من تحدث عن الارتباط بهذا الوطن وعن عظمته. وعلى كل مصرى ومصرية ألا يخشى من الاتهام بالتعصب، فتاريخ بلده حقائق ثابتة، وليس قصصاً مختلقة من العدم. وفيما يتعلق بالسعى للعودة للتبعية العثمانية، لم يكن ذلك المسعى من مصطفى كامل سوى وسيلة للتخلص من الاحتلال البريطانى، مثله فى ذلك مثل السعى للاستفادة من معارضة فرنسا الاحتلال البريطانى لمصر. فقد كانت مصر، وفقاً لمعاهدة لندن عام 1840، التى أجهضت من خلالها الدول العظمى آنذاك مشروع محمد على الطموح، ولاية عثمانية ذات وضع خاص يشبه الدولة المستقلة، ونجح الخديو إسماعيل فى تعزيز سمات هذه الدولة شبه المستقلة، ولذلك سعت بريطانيا للإطاحة به، ثم أقدمت على احتلال مصر بعد ثلاث سنوات من عزله. ومن ثم، كان مصطفى كامل يسعى للحصول على تأييد الدول العظمى لإنهاء الاحتلال البريطانى الذى يتعارض مع بنود معاهدة لندن. ولو كان مصطفى كامل شغوفاً بجعل مصر ولاية عثمانية كما كانت قبل حكم محمد على، لما كتب تلك اللآلئ الوطنية التى يسميها البعض بـ«الشوفينية». كان تأسيس الحزب الوطنى عام 1907 وتسميته بهذا الاسم تجسيداً للانحياز التام للوطن المصرى وللوطنية المصرية، كما كان تعبيراً عن اقتناع مصطفى كامل بالاعتماد على المصريين لتحقيق استقلالهم. فقد اتفقت فرنسا مع بريطانيا عام 1904، فيما عُرف بالاتفاق الودى، على توقف فرنسا عن معارضة الاحتلال البريطانى لمصر، مقابل غض بريطانيا الطرف عن سعى فرنسا لاحتلال مراكش (المغرب)، بينما كانت الدولة العثمانية الآفلة «رجل أوروبا المريض» تلفظ أنفاسها الأخيرة. بقيت كلمة أخيرة؛ على مؤسسات التنشئة فى مصر أن تحتفى بمؤسس الوطنية المصرية، وأن تجعل سيرته ونضاله وخطبه جزءاً من مقررات التاريخ والتربية الوطنية، وأن تكرر عرض الفيلم السينمائى المسمى باسمه، وأن تطور متحف مصطفى كامل كى يظهر بما يليق بنضال هذا الزعيم الوطنى العظيم، وأن تنظم الرحلات المدرسية لزيارة متحفه، كى يتعرف النشء على زعيم وطنى مصرى عشق تراب هذا الوطن، وأفنى حياته من أجله، وتوفى فى ريعان الشباب.