الصادرات المصرية الدعم وحده لا يكفى
تحمل التحركات الحكومية خلال الأيام الماضية، بخصوص ملف الصادرات، العديد من الدلالات الإيجابية، والأنباء الجيدة لمجتمع المصدّرين، والاقتصاد المصرى ككل. فعلى الرغم من أهميته القصوى وتأثيره الحيوى، لم يشهد هذا الملف القدر اللازم من الاهتمام المطلوب، إذ يمثل دخل الصادرات السلعية أحد أهم موارد النقد الأجنبى التى تعادل أربعة أضعاف دخل السويس تقريباً.
إحدى أبرز تلك الدلالات الإيجابية اهتمام القيادة السياسية بالملف، والتوجيه صراحة بالانتهاء من مشكلة متأخرات دعم الصادرات التى أصبحت تقل حالياً عن 20 مليار جنيه، قبل نهاية العام الجارى. صحيح أن التوجيه مشروط بمقترح تخلى المصدّرين عن 15% من المستحقات، لكن تحديد مدى زمنى لإنهاء المشكلة خطوة لافتة ومهمة وفارقة، نظراً لما ستتيحه من سيولة نقدية للشركات المصدّرة التى يعانى عدد كبير منها بعد أزمة «كورونا» وفقدان بعض الأسواق الخارجية.
الدلالة الثانية هى تولى المهندس مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء، الإشراف مباشرة على ملف التصدير، بعد حالة التعثر و«اللافعل» التى شهدها الملف على مدار سنوات قليلة مضت، نتيجة تخبط المسئولين المباشرين عن الأمر.
فى بداية العام الماضى، عقد رئيس الوزراء اجتماعات متتالية مجتمعة ومنفردة مع أغلب المجالس التصديرية، تم خلالها التأكيد على الدعم الحكومى للمصدّرين، ثم بدأت عملية صرف جانب من المستحقات لبعض المصدّرين، مع منح الأولوية لمن سيضخ استثمارات جديدة أو سيقوم بعمل توسعات، ما أعطى للمصدّرين مؤشراً بأن ثمة جدية حكومية حقيقية فى الأمر، لكن هذه الاجتماعات توقفت بداية من يناير الماضى، حتى عادت مجدداً فى ضوء التوجيهات الرئاسية.
التوجه الحكومى لدعم عملية التصدير أمر هام فى هذا التوقيت بالذات، لكونه يسهم فى تنشيط قطاع التصنيع، وما يعنيه ذلك من استثمار وتوليد وظائف، لكنه فى الوقت ذاته يعقد آمالاً وأمنيات تبدو غير واقعية عندما يتم الحديث عن الوصول بصادراتنا إلى 100 مليار دولار، فقيمة ما تصدّره مصر فى أفضل الأحوال لا يتجاوز 25 مليار دولار سنوياً (جانب كبير منه خامات وسلع غير نهائية)، مقارنة بدول مثل فيتنام التى تصدّر سلعاً بقيمة أكثر من 274 مليار دولار، وبنجلاديش 44 مليار دولار، وغيرها من الدول التى نجحت فى الوصول بصادراتها إلى أرقام مُدهشة فى سنوات ضئيلة.
ليس خافياً أن تلك الدول حققت تلك المعدلات، لا بسبب تقديم الدعم النقدى أو العينى للمصدّرين فحسب، لكن لأنها ركزت على خلق قاعدة صناعية متطورة وملائمة بالأساس، وحددت «التخصص الصناعى» الذى تمتلك فيه مزايا تنافسية تؤهلها لاختراق أسواق عالمية تعج بالمنافسين الشرسين.
اللافت أن التصريحات الحكومية تطرقت إلى «دعم الصادرات» أو المساندة التصديرية وردّ الأعباء كما يفضّل المصدّرون أن يطلقوا عليها، باعتبارها السبيل الوحيد لزيادة التصدير، غير أن السؤال الآن: هل هناك قيمة حقيقية لوجود دعم للصادرات من الأساس؟ وهل الهدف دعم الصادرات أم مجاملة المصدّرين؟، وهل تحقيق قفزة فى الصادرات تعادل 4 أضعاف الرقم الحالى تتوقف على الدعم كأداة وحيدة؟
وفقاً لبيانات الموازنة العامة انخفضت قيمة الدعم فى موازنات ما بعد الثورة حتى وصلت إلى 2.6 مليار جنيه، جرى زيادتها إلى 3.6 مليار، ثم ارتفعت إلى 4 مليارات جنيه، ثم 7 مليارات فى موازنة العام الحالى.
المصدّرون يعتبرون الدعم/ المساندة، ليس ترفاً، فوفقاً لحسابات الجدوى الاقتصادية فإن كل جنيه يتم إتاحته كدعم للتصدير يعود على الخزانة بقيمة تتراوح بين 2 و3 دولارات.
الصديق العزيز ورجل الأعمال البارز هانى برزى، رئيس المجلس التصديرى للصناعات الغذائية، يقول إن تلك القيمة ليست دعماً بالمعنى الدارج، بل مساهمة من الدولة لفتح أسواق تصديرية جديدة وتعزيز مواردها من النقد الأجنبى، خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار الضغوط المتزايدة على قطاع الصناعة بشكل عام والتصدير بشكل خاص.
كما يرى رموز التصدير فى مصر أن أغلب -إن لم يكن جميع- دول العالم تقوم بدعم صادراتها، وإن تنوعت الأدوات والوسائل، فهناك دول تقدم دعماً مباشراً يصل إلى 18%، ودول أخرى تدعم الفائدة البنكية، وأخرى توجهه إلى أسواق بعينها وقطاعات محددة.
الأمر إذاً لا يتعلق بدعم المصدّرين، بقدر ما يتعلق بدعم القاعدة التصنيعية، بما يعنيه ذلك من إجراءات حكومية واسعة، ودعم منتجات مصرية لفتح أسواق جديدة، غير أن هذا التوجه يتطلب وضع اشتراطات ومعايير، يكون أولها تقديم الدعم/ المساندة لقطاعات لها إسهام كبير فى عملية التشغيل، وبناء على ما يحققه المُصدّر من قيمة مضافة، فضلاً عن ربطه بفتح أسواق جديدة لم تخترقها المنتجات المصرية من قبل، أو تواجه منافسة شرسة بها، مع الاحتفاظ بأحقية الحكومة فى إلغائه عن القطاعات التى لم تحقق القيمة المستهدفة خلال فترة زمنية محددة.
عندئذ يكون الدعم/ المساندة أمراً محموداً وموجهاً للمُنتج المصرى، ودعم الصناعة المصرية ككل، لا مجاملة لقطاع أو مُصدّر بعينه، أو استغلال لمنظومة دعم «مرتبكة» لجنى ملايين الجنيهات عن غير حق من موازنة تعانى عجزاً واضحاً.