تركيا الآن: "فرقة العثمانيين" الإسرائيلية لحن تركي على وتر صهيوني

كتب: وكالات

تركيا الآن: "فرقة العثمانيين" الإسرائيلية لحن تركي على وتر صهيوني

تركيا الآن: "فرقة العثمانيين" الإسرائيلية لحن تركي على وتر صهيوني

يقبض بشفتيه برفق على فتحة آلة الكلارينيت الموسيقية، ثم يطلق زفرته الأولى، فيتبعه رفاقه المتحلقون حوله بآلاتهم المكونة من "رق وعود وقانون وجيتار"، عازفين ألحانا لا يخفى على سامعها نكهتها الشرقية، بل والعثمانية تحديدًا، حتى كأنك وأنت تسمعها قد انتقلت بروحك إلى الأجنحة المحجوبة في قصور آل عثمان على ضفاف البسفور، أو صرت درويشًا خاصم الدنيا في أحد التكايا المعزولة بالأناضول. 

منذ العام 2014، اعتاد الإسرائيليون من مرتادي حانات مدينة يافا، معاينة المشهد السابق من قبل الموسيقار الإسرائيلي هاريل شاشال وفرقته التي اختير لها اسم "العثمانيين"، تدليلا على إخلاصها لتقديم الموسيقى العثمانية التي هي في حقيقتها إرثًا ثقافيًّا مشتركًا بين الشعبين التركي واليهودي، يمكن أن يكون مفسرا في بعض جوانبه لتلك التقاربات الكبيرة بين تركيا وإسرائيل، بعيدًا عن مسألة التقاء المصالح السياسية والاقتصادية.. وهذا ما سيحاول التقرير التالي، الذي أعده موقع "تركيا الآن" المتخصص في الشأن التركي، رصده، عبر عرض سريع لذلك التاريخ وصولا إلى اللحظة الراهنة. 

موسيقى اللاجئين 

في العام 1492، قرر ملكا إسبانيا الكاثوليكيان، فرناندو وزوجته إيزابيلا، طرد جميع اليهود السفارديم (والسفارديم لقب يهود إسبانيا) من بلادهم، ففتح لهم السلطان العثماني بايزيد الثاني أبواب دولته واسعا، مانحًا لهم حق اللجوء والسكنى الآمنة في المدن العثمانية. 

سريعا، نجح السفارديم في السيطرة على الحياة الاقتصادية في العالم العثماني، عبر إحكام قبضتهم على الثروة في المدائن التي ربطت العثمانيين بأوروبا مثل سالونيك وإزمير. كما أنهم توغلوا سريعًا إلى قصور السلاطين حتى أصبح منهم كبار الأطباء والمستشارين الماليين، وأحيانا السياسيين كذلك. 

كانت الموسيقى أحد الأشياء التي أدخلها يهود السفارديم إلى القصور العثمانية. وتلك الموسيقى في الأصل كانت نفسها الموسيقى الأندلسية التي طورها المسلمون في إسبانيا، رفقة السفارديم، عبر ثمانية قرون متعاقبة من الوجود في شبه جزيرة أيبيريا.

وبما أن اليهود عندما دخلوا مجالس السلاطين، ألفوا فيها موسيقى شرقية خليط من التراث الفارسي والتركي، فإنهم مزجوا موسيقاهم الأندلسية بذلك التراث ليظهر إلى الوجود بعد بضعة أجيال موسيقى جديدة توفيقية عرفت باسم الموسيقى العثمانية، ظلت تعزف من قبل الموسيقيين اليهود في قصور آل عثمان حتى سقوط الإمبراطورية العام 1923.  

وبعد إعلان قيام الكيان الصهيوني العام 1948، هاجر من تركيا، وكانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل، نحو 50 ألف يهودي تركي، نقلوا معهم الموسيقى العثمانية إلى الدولة الناشئة فوق الأرض العربية المغصوبة، وضمنوا بقاء التراث الموسيقي بين الأتراك والصهاينة حيًّا طوال العقود التالية من القرن العشرين. 

الموسيقى تهزم العداء الوهمي

وبرغم وصول الإسلاميين الأتراك إلى رأس السلطة في تركيا بعد فوز حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان، بالانتخابات النيابية في أنقرة العام 2003، وتبنيهم خطابًا سياسيًّا معاديًّا بصلابة لليهود والصهيونية، فإن العلاقات الموسيقية ظلت بين الطرفين على حالها، بل وتحولت في سنوات الحروب الوهمية والملاسنات الكلامية بين أردوغان وقادة تل أبيب، إلى دبلوماسية ناعمة تسعى للتقريب بين وجهات النظر المختلفة بين الشعبين التركي والإسرائيلي. 

فعندما قصفت إسرائيل قطاع غزة العام 2008، فارضة على الفلسطينيين هناك حصارًا مهلكًا من البر والبحر، بدأت العلاقات الرسمية بين تركيا وإسرائيل في التدهور الحاد نتيجة هجوم أردوغان المستمر على السياسة الإسرائيلية في تلك الحرب. وبلغ الأمر مداه عندما حاول أسطول إغاثي تركي اختراق الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة في مايو من العام 2010، وهوجمت واحدة من قطع ذلك الأسطول وتدعى "مافي مرمرة"، من قبل الكوماندوز الإسرائيلي مخلفة عددًا من القتلى والجرحى في صفوف الأتراك. 

أتبع حادث "مافي مرمرة"، قطيعة رسمية بين أنقرة وتل أبيب، تمثلت في طرد السفراء، ووقف مشروعات الإنتاج الدفاعي بين جيشي الدفاع في البلدين. ولكن ذلك كله لم يؤثر على مسار العلاقات غير الرسمية بين  الطرفين، سواء اقتصاديا حيث استمر التبادل التجاري فاعلا، أو ثقافيا حيث ظلت الموسيقى أداة يؤكد بها الطرفان على قوة التراث الموسيقي المشترك، وقدرته على تجاوز أعتى الأزمات السياسية. 

ففي نفس فترة الأزمة التركية الإسرائيلية (2008 - 2016)، سافر العديد من الموسيقيين الصهاينة إلى تركيا لتعلم العزف على العود، على غرار إيلاد جوباي وأرئيل كواسيس. كما سافر البعض الآخر لجمع التراث الموسيقي اليهودي من إسطنبول، مثل الموسيقية الإسرائيلية حاداس بال.

وفي الاتجاه الآخر، سافر عدد من المطربين والموسيقيين الأتراك إلى إسرائيل لتعليم نظرائهم في إسرائيل الموسيقى الشرقية. مثل المطربة التركية مهتاب دمير التي حلت ضيفة على معاهد الموسيقى في تل أبيب، لإلقاء محاضرات عن أغاني "مافتي ريم"، وهي أغنيات لاهوتية منشئها مدينة أدرنة شمال غرب الأناضول، وكانت تُغنى لقرون داخل المعابد اليهودية العثمانية.

كما ساهمت الفرق الموسيقية من تركيا وإسرائيل في إقامة حفلات متبادلة لتخفيف حدة الخلافات بين الشعبين على إثر حادث "مافي مرمرة"، وكان للفرق الإسرائيلية نصيب الأسد من تلك الحفلات التي سمحت حكومة العدالة والتنمية بإقامتها في تركيا، مثل أوركسترا أشدود الأندلسي الإسرائيلي، وأوركسترا أورشليم الأندلسي، وأوركسترا عسقلان الأندلسي المتوسطي. 

هناك كذلك فرقة الميتال الإسرائيلية أورفاند لاند، التي تحيي حفلات في تركيا منذ العام 2001، وحصلت في العام 2010 على جائزة السلام من جامعة إسطنبول للتجارة تقديرًا لما سماه الأتراك «دورها في تقوية العلاقات الثقافية بين البلدين».

فبعد حادث مافي مرمرة، نظمت الفرقة جولة في فبراير من العام 2012 بعدد من المدن التركية، بالاشتراك مع فنان الروك التركي إركين كوراي، اجتذبت عشرات الآلاف من الشباب التركي. ومن اللافت أن نظام أردوغان بخطابه الإسلامي الشعبوي، يسمح للفرقة بالغناء في تركيا، رغم استخدامها نصوصا قرآنية في كلماتها المغناة.

إضافة إلى جهود تلك الفرق، فإن بعض الموسيقيين الإسرائيليين الأفراد ساهموا بفاعلية في تقريب وجهات النظر مع الطرف التركي، مثل "يينون معلم"، الموسيقار والملحق الثقافي في سفارة إسرائيل بتركيا. فقد أقام خلال فترة النزاع، حفلات مشتركة مع الموسيقيين الأتراك من أمثال سيرين بانكار أوغلو، وعمر فاروق تيكبيليك.

كما قام عازف الجيتار الإسرائيلي إيتامار إيريز، بجولة حفلات في تركيا العام 2011، قدمها أيضا بالاشتراك مع عمر فاروق تيكبيليك.

وأكد إيريز خلال تلك الحفلات أنه "لا شئ يمكنه أن يفصل بين الشعبين التركي والإسرائيلي".

في مقابل ذلك، سافر العديد من الموسيقيين الأتراك إلى إسرائيل لحضور فعاليات موسيقية، أو لإحياء عدة حفلات في إسرائيل. ففي العام 2011، شارك الفنانون الأتراك في مهرجان القدس الدولي للعود، من أمثال صباحات أكراز، الموسيقية الشهيرة وعضو البرلمان التركي، وكذلك آينور دوغان، المطربة التركية من أصل كردي. كما قام الفنان "تشيم منصور"، وهو تركي من أصول يهودية، بإحياء ثلاث حفلات في مدينة حيفا العام 2012، حضرها الآلاف من الإسرائيليين.

وفي العام 2014، قام المخرج الإسرائيلي روي شير بالاشتراك مع ميهتاب دمير والمطربة اليونانية مارثا، وعازف العود الإسرائيلي تومير كاتز، بإقامة حفلات موسيقية بين القدس وتل أبيب، حضرها الآلاف من الأتراك والإسرائيليين. وعُرض في تلك الحفلات فيلم وثائقي عن المطربة العثمانية اليهودية روزا أشكنازي. كما شهد العام 2014 نفسه، إقامة مؤتمر موسيقي في القدس بعنوان "الحوار الموسيقي المتوسطي"، حضره الفنانون من البلدين، ثم أقيم مؤتمر شبيه في مدينة مرسين التركية.

ومع عودة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى طبيعتها في العام 2016، على إثر اعتذار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنظيره التركي أردوغان قبل ذلك التاريخ بنحو 3 سنوات، وقبوله بدفع التعويضات لضحايا مافي مرمرة، احتفل الموسيقيون من البلدين بذلك من خلال إقامة مهرجان "أصوات الموانئ" بين إسطنبول وتل أبيب، متعهدين بجعله سنويا، تأكيدا على أن عنتريات رجب طيب لن يعلو صوتها أبدا فوق صوت موسيقى "العثمانيين"، إرث تركيا وإرث الصهيونية الكبير، والذي اعتاد هاريل شاشال ورفاقه أن يعزفونه أمام السكارى في حانات يافا بـ كلارينيت ورق وقانون وجيتار.


مواضيع متعلقة