سامي عبد الراضي يكتب: محطة مصر.. و"بشتيل".. لماذا غضب أهالينا في الصعيد؟

سامي عبد الراضي يكتب: محطة مصر.. و"بشتيل".. لماذا غضب أهالينا في الصعيد؟
- سامي عبد الراضي
- محطة رمسيس
- محطة بشتيل
- قطار الصعيد
- محطة مصر
- سامي عبد الراضي
- محطة رمسيس
- محطة بشتيل
- قطار الصعيد
- محطة مصر
"هأكون مستنيك في (محطة مصر) أو في رمسيس.. هتلاقيني واقف على الرصيف.. بس أبقى أظهر لي على باب العربية.. عشان أعرف مكانك اللي هتقف فيه".. هكذا يدور الحوار بين غالبية أهل الصعيد، وهم في طريقهم من هناك لـ"مصر"، كما يحلو لهم أن يقولوا.
قد يكون غالبيتهم في طريقه للجيزة.. وسينزل من القطار في محطة الجيزة، ليذهب إلى الهرم، أو بولاق الدكرور، أو فيصل، أو أكتوبر، ولكنه عندما يتحرك من بلده، يقول لمن يقابله: "أنا نااازل مصر".
وعليه ومن هذا المنطلق ومنذ سنوات طويلة، ربما من أيام الأجداد -أو آباء الأجداد- هكذا الأمور تسير.. "هم رايحين مصر"، كان القطار خط واحد، لم يكن قطار الصعيد رايح جاي، وكان القطار "يسافر ويعافر"، وبلاد تشيلك وتحطك حوالي 24 ساعة، حتى تصل إلى "مصر".. وخصوصا لـ"الجنوبيين "، من سوهاج وأنت طالع.
وصارت الأمور الآن مختلفة، ساعات قليلة كفيلة أن تنقلك من سوهاج لـ"مصر"، وقرابة 9 ساعات تنقلك من قنا لـ"مصر"، وربما 13 ساعة وأكثر تنقلك من أسوان لـ"مصر".
يحلو للبعض أن يقول: "مستنيك في باب الحديد".. وربما كان فيلم "باب الحديد" ليوسف شاهين، سبباً في هذه التسمية البديلة لـ"محطة مصر" أو "محطة رمسيس"، نقلوا تمثال رمسيس الشهير من أمام المحطة، ولا تزال كلمة رمسيس هي الحاضرة.
محطة رمسيس.. ميدان رمسيس.. مستنيك في رمسيس.. وهكذا بنفس القياس: "يظل هذا المكان وهذه المحطة لأهل الصعيد، اسمها محطة مصر، وقياساً للصورة الذهنية هذه، التي ترتكز لديّ منذ سنوات طويلة، ويقيني أنها لأهلي وأقاربي وجيراني وباقي أهل الصعيد.. اسمها "مصر".. ليست مجرد محطة قطار.. ولكن اسمها مصر.
ومن هنا جاء غضب أهل الصعيد المبرر، والذي يجب ألا تقابله بكلمة "هوه كده"، ولا بكلمة: "ده مفيش دكاترة في رمسيس عشان تنزلوا لهم"، ولا بكلمة: "هنطور لكم وطورنا لكم".
لماذا غضب أهل الصعيد؟
غضبوا لأن الأمر بالنسبة لهم في "الرمز".. إنهم ليسوا ممنوعين من دخول محطة مصر، ولكن يرون ويعتقدون أن المنع هو منع دخول لـ" مصر"، يقيني ووجهة نظري، أن هكذا تابعوا الخبر وتطوراته، وتصريحات السيد وزير النقل المهندس كامل الوزير.
يقيني أنهم تابعوا ذلك بمنطق: "دول مش عايزين حد مننا يروح.. إحنا مهمشين.. إحنا الحكومة مش بتبص علينا.. إحنا صف تاني.. إحنا في نهاية الطريق.. محدش بيهتم بينا.. إحنا درجة تانية وتالتة.. وهكذا وهكذا وهكذا".
هل من حق أهل الصعيد أن يغضبوا؟
نعم.. هذا غضب مشروع وحقيقي، فالصعيدى الممنوع من دخول المحطة هذه، هو جمال عبدالناصر، رفاعة الطهطاوي، عباس العقاد، الشيخ المراغي، الشيخ محمد سيد طنطاوي، الشيخ أحمد الطيب، أمل دنقل، الأبنودي، عبدالرحيم منصور، فهمي عمر، وغيرهم المئات من المبدعين".. هم وأنا رأينا وفهمنا أن المنع.. منع لدخول "مصر"، وليس منع لدخول محطة قطار!
وهل في الأمر ما يستحق الغضب؟
لو نظرنا بشكل أفقي وقرأنا المشهد من قريب، سنكتشف أن الدولة تتغير، ويعاد البناء فيها من جديد، هنا مدن وهنا عاصمة إدارية، وهنا جبل الجلالة بطرقه العظيمة، وهنا قناة السويس بأنفاقها، وهنا العلمين، وهنا حي الأسمرات، وهنا "غيط العنب" بالإسكندرية، وهنا الطريق الاقليمي، وهنا محاور النيل، وهنا كباري مصر الجديدة، وهنا "مترو"، هو شرايين في قلب العاصمة ومحيطها.
هكذا هي مصر في الست سنوات الأخيرة ، هكذا وهذا أمر حقيقي وواضح لكل ذي عينين، ومن بين هذا التغيير، ومع هذا البناء الجديد كانت "محطة مصر الجديدة" أو محطة بشتيل، فهى تبنى الآن على مساحة كبيرة في هذه المنطقة القريبة من حي المهندسين، والقريبة من ميدان الجيزة، والقريبة من إمبابة، والقريبة من الوراق، والقريبة من منطقة شبرا مصر في القاهرة -إذا ذهبت من الدائري- وهذا المشروع، سيقام ويكون جاهزا للتشغيل بعد 5 سنوات.
هل ستكون محطة عالمية؟
الخرائط والصور وماكيت المشروع، يقول هذا، الخرائط والردود تقول إن "بشتيل" المحطة، ستكون غير، في هذه السنوات ستكون قد احتضنت مترو الأنفاق، الذي ينقلك الى كل شبر في "مصر".
ومصر هنا التي أعنيها، هي القاهرة كما أفهم أنا، ويفهم أهلنا في الصعيد، من بشتيل بعد هذه السنوات الخمس، سينقلك المترو خلال 25 دقيقة الى محطة الشهداء -أسفل محطة رمسيس- و15 دقيقة ستكون في محطة الجيزة، و25 دقيقة أو أكثر ستنقلك إلى ميدان الرماية في نهاية شارع الهرم، و35 دقيقة أو أكثر ستنقلك إلى حدائق القبة ومدينة نصر، وساعة أو أكثر ستنقلك إلى حلوان.. وهكذا، وهكذا ستكون الأمور، لن يكون هناك "بهدلة" كما يتصور البعض، لن تحمل حقيبتك فوق كتفك، وتسير بها ساعات كما أعلن البعض.
الأمر ليس به إهانة لأهل الصعيد، أو تقليل منهم -هذه وجهة نظري فقط ولن أتحدث عن غيري- وليس هناك "منع" من دخول مصر، لكن الأمر مرتبط بنوع من التنظيم، مرتبط بتغيير الشكل، بالبحث عن حلول للزحام.
وهكذا بالنسبة لأهلنا القادمين من بحري، من الدقهلية ودمياط والغربية والبحيرة والشرقية، سيكون خط النهاية، أو قل التوقف بالنسبة لهم في محطة شبرا الخيمة، وبعدها سينقلهم المترو إلى أي مكان يريدون الوصول إليه.
الأمر مرتبط بالحالة الأكبر، وهي التعامل مع الصعيد، والذي يراه الكثير ومعهم كل الحق أنه مهمش، فلا صرف صحي هناك، ولا طرق معتدلة هناك، ولا "مركزية" هناك، كل أمورهم مرتبطة بـ"القاهرة"، وظروفها وشوارعها، وحتى هنا الرزق اكثر وأوسع، ولكن "البركة" هناك في الصعيد، بركة في الأرض، وفي بقايا ناسنا الحلوة، وآثارهم في البيوت ورائحتهم وسيرهم وحكاويهم ونصائحهم ووصاياهم ووجوههم المنحوتة.
الأمر مرتبط بـ"صورة ذهنية" قديمة، هكذا وجدنا الآباء والأجداد، بأن محطة مصر هي "مصر"، وأن الصعيد مهمش، ولكن هذه الصورة ستتغير مع الأيام، وتتحول للأفضل، الأمر ليس به أي تمييز -على الأقل في وجهة نظري- الأمر ليس به عنصرية.
مصر قطعة واحدة، وقلب واحد، ونبض واحد، في الصعيد وبحري، في نيلها وشمسها وطينها العفي، مصر ليست محطة قطار، مصر ليست محطة مصر ولا باب الحديد ولا رمسيس، "مصر بتتغير"، وعليه يجب أن نقبل ونرحب، ونحكم بعد 5 سنوات.
ربما تسألني.. وهل بعد 5 سنوات ستنزل بحقائبك في محطة بشتيل؟
أقول لك: "أنا عايز أنزل باب الحديد.. محطة مصر.. عايز أنزل رمسيس"، لكن كل الطرق تؤدي إلى القاهرة وشوارعها وأطبائها وأحيائها.. كل الطرق تؤدي إلى القاهرة التي نسميها في الصعيد "مصر".