التاريخ المجهول مع عظيمات من مصر.. ناهد يوسف (٢)
لم يكن القصد من هذه السلسلة كيل المديح لسيدة هنا أو سيدة هناك.. إنما كان الهدف التوقف بالرصد والتحليل لمسيرة عظيمات ينبغى الاستفادة من سيرتهن ومسيرتهن.. خصوصاً إن كان منها ما نستخلص منه دروساً وعبراً.. لوقائع وأحداث وقعت وتحديات خُضنها.. كما أن كلهن لديهن القدرة على العطاء، ومنهن مَن يجب الاستفادة منها أكثر مما يُستفاد منها بكثير جداً.. ولذلك ليس من المنتظر فى هذه السلسلة أن نستعرض سيرة سيدات فضليات، لكنهن شهيرات وموجودات فى ساحة الفعل العام.. إنما سنتوقف عند مَن يستحققن أكثر مما يقدمن.. ودورنا أن نلفت نظر الإعلام لهن ونظر المسئولين قبل الجميع!
فى الحلقة الماضية تناولنا مسيرة الدكتورة ناهد يوسف مع صناعة الدواء فى مصر، وكيف عملت فور تخرجها فى يونيو 1956 فى أحد مصانع الأدوية الخاصة، وبعدها بشهر أمَّم جمال عبدالناصر قناة السويس، فاشتركت شركات الأدوية الخاصة فى مؤامرة منع الدواء عن مصر، التى كانت تستورد 95% منه، للضغط على مصر وإسقاط «عبدالناصر»، الذى وما أن انتهت الحرب أمَّم شركات الأدوية الأجنبية، وكان من بينها الشركة الخاصة التى تعمل بها الدكتورة ناهد، التى صدر قرار بتعيينها مسئولة عن الشركة، لتشهد بعدها قصة النضال المصرى العظيم لإقامة صناعة دواء هائلة ضاعفت حجم الشركات المؤمَّمة، وأضافت لها العديد من الشركات، مثل النيل والجمهورية والقاهرة والإسكندرية وغيرها وغيرها، ومراكز لبحوث الدواء، ومصانع بجوارها للأمبولات والزجاج الطبى وغيرها..!
فى هذه الأثناء وقبل التعرض لأسباب ومظاهر انهيار ذلك كله، نتوقف عند بعض المشاهد التى تفيد صانع القرار اليوم فى إنجاز مهمته فى استعادة ما ضاع كله.. فعلى سبيل المثال تروى الدكتورة ناهد أنه ذات يوم، دعا الدكتور عزيز البندارى، رئيس الهيئة العليا للأدوية، أثناء الخطة الخمسية الأولى للتنمية فى مصر التى أوصلت تغطية شركاتنا من الدواء من الاحتياجات المحلية إلى 85% بدلاً من 5% قبل أن تصل إلى أكثر من ذلك، ووسط هذا الحماس ونشوة بلوغ عدد العاملين فى قطاع الدواء إلى 18 ألف عامل وعاملة، ليبلغهم الدكتور البندارى بنتائج مناقصة كبرى لتوفير احتياجات المستشفيات المصرية، وكان عرض الشركة الأجنبية مبالغاً فيه جداً، لكن الشركة كانت تحتكر عالمياً المادة الخام لجميع مستحضرات البانثينول.. وسألهم الدكتور البندارى: هل يمكن إنتاج حقن البانثينول محلياً؟ كانت الصدفة وحدها قد أرسلت الدكتورة ناهد فى دورة تدريبية بشركة إيفانز البريطانية، وعادت لتشرف على مصنع الأمبولات المصرية التابع لشركة النيل للأدوية، ورغم منعها من دخول مناطق معينة فى مصانع شركة إيفانز، فإنها قالت للدكتور البندارى إنها قادرة على صناعة ذلك، ولم تطلب إلا توفير المادة الخام!
وما هى إلا 3 أسابيع وكانت الأمبولات موجودة، واشترتها هيئة المستشفيات من شركة النيل، وبسعرها الأجنبى السابق، تشجيعاً لشركة النيل التى احترمت التشجيع، فقام خبراؤها، وتذكرهم بالاسم محمود الشالى وفتحى عزوز وعبدالعزيز عزالعرب، ليضيفوا أبحاثهم وجهدهم، حتى إن أحدهم استغرق فى العمل، وأغلق الأمن أبواب المعامل دون أن يدروا ودون أن يدرى، وقضى ليلته بداخلها، لكن كانت النتيجة التوصل لمستحضرات البانثينول بل تبقَّت مخلفات حولوها إلى مراهم البانثينول الموجودة حتى اليوم رغم منافسة الأجنبى!
ما نستفيده من القصة السابقة ليس قدرة المصرى على صنع المستحيل عند التحدى فقط... وإنما معه أيضاً نزاهة المسئولين وقتها، وكيف أن مناقصة كبرى تكون محلاً للشك ثم للشكوى ثم للمناقشة!! وليس سرعة ترسيتها والحصول على «المعلوم»، كما جرى بعد ذلك بسنوات!
رحلة الـ18 عاماً من العمل والشقاء والسهر والتعب والمرض التى نقلنا بعض صورها فى المقال السابق، وأفضت إلى صناعة كبيرة وعظيمة للأدوية فى مصر من شركات أدوية وخبراء ومعامل ومصانع للأمبولات والعبوات ومراكز للبحوث العلمية وأخرى للجودة ومراكز للقاحات والتطعيمات والأمصال إلى شركات للتوزيع حتى لا يتلاعب أحد بالأسواق.. نقول كيف يكون حالك إن كنت مكانها ثم ترى كل ذلك ينهار أمام عينيك؟ مأساة كبرى طبعاً!
لمحت الدكتورة ناهد تراجع الصناعة مبكراً عندما تقدم الدكتور إبراهيم برهان، رئيس شركة القاهرة للأدوية، التى تولاها بعد أول رئيس لها الدكتور على حجازى.. كان إبراهيم برهان أحد أبناء الجيش العظيم، الذى نجح فى إدارة الشركة بكفاءة غير عادية أدت إلى إنتاج كبير وتوسعات إضافية، وتوفير مستحضرات البروزولين للعين والأنف بمنافسة قوية مع الأجنبى، فتقدم إلى الدكتور ممدوح جبر وقتها بطلب لتوسعات فى الشركة لعدم ملاءمة مكانها الحالى وقتها فى شبرا، بعد امتداد العمران إليها.. فتم رفض طلبه!! وفهمت أن الحكومة قررت وقف تخصيص أى اعتمادات لأى إحلال أو تجديد لشركات القطاع العام!! ونصح الدكتور برهان بتأسيس شركة جديدة فى العاشر من رمضان، وقد كان! وكانت شركة إيبيكو إحدى شركات «أكديما» أو الشركة العربية للأدوية والمستلزمات الطبية!
لاحظت الدكتورة ناهد ما لاحظه مَن عاشوا هذه الفترة فى منتصف السبعينات من حملة غير مسبوقة ضد القطاع العام تتهمه بالفشل والتخلف، رغم أنه مَن تحمل عبء معركة أكتوبر مقدماً للوطن كل احتياجاته.. وكانت قوانين الانفتاح والسماح لدخول الشركات الأجنبية، والتى كانت فى مجال الدواء تحديداً شركة سكويب الأمريكية، التى دخلت السوق المصرية، بعد أسبوعين من صدور قوانين الانفتاح، التى كانت أول ما فعلته هو استقطاب الكوادر المصرية، حتى أنها هى نفسها فوجئت بمساعدها، بطل تجهيز أدوية الكوليرا للبلد الأفريقى، كما روينا فى المقال السابق، يبلغها هو نفسه بانتقاله إلى شركة أجنبية، لأن العرض بأضعاف أضعاف راتبه الحالى!
ثم صدر قرار حكومى بضرورة وجود وكيل مصرى.. ففرت قيادات عديدة إلى الشركات الأجنبية التى بدأت بالتوافد على مصر، وهو ما كان على حساب التكامل العربى فى صناعة ليس الأدوية وإنما المواد الخام للأدوية.. أما المأساة الكبرى فكانت إبرام الشركات الأجنبية اتفاقيات مع مصانع الأدوية المصرية بتصنيع منتجاتها فى مصر بموجب ترخيص.. وهو الترخيص الذى نراه مكتوباً على عدد كبير من المستحضرات! أى أن مصانعنا تنتج للأجنبى، والأجنبى ألغيت له لوائح الستينات التى تضع حداً أقصى لمخصصات إعلاناته فى مصر وأصبح بلا سقف، وبالتالى ينتج الأجنبى فى مصانعنا وينتج المصرى معه، لكن الدعاية للأجنبى مع نفوذ قياداته الجديدة جعلت الكفة تميل للأجنبى تماماً!
أضِف إلى ذلك تسلل قيادات إخوانية إلى قمة شركات الأدوية، تحكى عنهم بالوقائع الدكتورة ناهد فى كتابها «دواء وعلل.. قصتى مع صناعة الأدوية من الازدهار إلى الأزمة»!
إن رحلة الدكتورة ناهد تستحق الدراسة.. مع ضرورة تكريمها وتكريم كفاحها من أجل وطنها.. كما تستحق أن تتحول بتفاصيلها العديدة التى لم نستطع إجمالها إلى عمل درامى.. تتعلم منه الأجيال روح التضحية من أجل الوطن.. وخصائص المدير الناجح.. وكيف يمكن تحويل الفشل إلى نجاح، والانتباه للانزلاق من النجاح إلى الفشل!
كثيرات يستأهلن التكريم ورصد مسيراتهن.. وفى الحلقة القادمة إحداهن.. وقصة كفاح مع العلم.. ومع البحث والتعب والسفر والدراسة بما ينبغى الاستفادة من هذه الطاقات أكثر مما يتم بكثير.. وإلى اللقاء مع عظيمة أخرى.