الطريق إلى إثيوبيا

(لغز الحاجة حمدية)

ظلت إثيوبيا لغزاً محيراً بالنسبة لى منذ زمن ما قبل أزمة السد، بسبب ملامح الإثيوبيين المختلفة كثيراً عن الملامح الأفريقية، وهو أمر جعلنى أبحث كثيراً فى الأصول السامية للشعوب الإثيوبية. لذا عندما فكرت فى السفر إلى أديس أبابا لحضور أعمال الاتحاد الأفريقى، قررت أن أبحث عن إجابة عن سؤال آخر، وهو لماذا يكرهوننا؟ كنت مستعداً لمواجهة الإجابة ما إن أضع قدمى فوق الهضبة الإثيوبية، لكن الإجابة لم تنتظر حتى أصل إلى أديس أبابا، كانت تنتظرنى فى السفارة الإثيوبية فى القاهرة. وقفت فى الشارع، أمام باب السفارة المغلق، كحال السفارات العربية، وعبر الباب تفتح نافذة صغيرة يخرج منها رأس ينطق العربية بصعوبة، يأخذ ورقة أو يستمع لسؤال واحد فقط ثم يدخل ويغلق النافذة. يستمر الحال لفترة حتى وصل دورى، فمنحته الأوراق طلباً للحصول على تأشيرة، وبعد أن أخذها أغلق الباب دون أن يعطينى ما يفيد بتسلمه للأوراق، كحال أغلب السفارات الشقيقة، وبعد نحو ساعتين، طرقت الباب عدة مرات حتى فتحت النافذة وطل الرأس منها وسألته عن التأشيرة فقال غاضباً بعد يومين، ثم أغلق النافذة. بعد يومين ذهبت للسفارة، وتكرر أمر الطابور والنافذة، ولما وصلت منحنى جواز السفر دون التأشيرة، سألته عن السبب، فقال أنت «مدلس» وأغلق النافذة. استفزنى الأمر جداً، وقررت ألا أسكت على هذه الإهانة، فطرقت الباب بقوة أكبر، فخرج الرأس منزعجاً وطلبت مقابلة السفير محمود درير. وكشأن أى موظف فى أى سفارة عربية، ما إن يسمع طلب مقابلة السفير حتى يرتبك ويزداد غضبه، ويرفض فى بادئ الأمر تنفيذ هذا الطلب، ثم ما إن تصر على طلبك حتى يبدأ فى إيصالك لرئيسه، وهو ما حدث بالفعل. دخلت وقابلت شاباً محترماً يتولى منصباً مهماً فى القنصلية، وأخبرته بما حدث، فطلب منى الهدوء، وبعد دقيقة وهو يقلب الأوراق، يبدو أنه تذكر شيئاً ما، وقال لى: نعم نعم أنت مدلس.

وفقاً للأعراف والقوانين الدولية أنا فى أرض إثيوبية، لذا فإن أى نوبة غضب أو تهور لن تمر مرور الكرام فتمالكت نفسى وقلت له «لاحظ إن كلامك جارح» كلمة مدلس مهينة ويعاقب عليها القانون، لماذا تتهمنى بأنى مدلس؟. أمسك بورقة من الملف ووجهها نحوى، كأنه يواجهنى بالدليل القاطع، كانت الورقة صورة من رسالة إلكترونية جاءتنى من الاتحاد الأفريقى تفيد بقبول تسجيلى فى المؤتمر، فقلت له وأين التدليس فى هذه الورقة؟ فقال أين بقية الصفحة، أنت مدلس، وأشار إلى مكان الإعلانات فى البريد الإلكترونى، فقلت له أنا حذفت الإعلانات من الصورة، لأنى وجدتها غير لائقة، فقال: أنت مدلس. كنت على وشك أن أنفجر من الضحك، فالرجل يبدو أنه «علق» على كلمة مدلس. قلت: معنى مدلس... فقاطعنى وأكمل هو إسناد الحديث إلى غير راويه، أو العبث فى ناقلى الرواية، فنظرت له مبتسماً، وقلت: أنت لست خريج الأزهر، فقال بفخر: لا أنا خريج جامعة الإمام، فقلت له حسن سأفتح لك الميل على هاتفى وستنظر بنفسك أن البريد الإلكترونى صحيح. ثم نظر إلى شاشة الهاتف وقال: أنت مدلس، كان يجب أن تصور البريد الإلكترونى كما هو، قلت له: حسن أنت تعترف أن البريد إلكترونى سليم، وأن الدعوة سليمة وأن اسمى موجود فى كشف الوفد الإعلامى المصرى الذى منحتك إياه، لكنك تصر على أنى مدلس ولن تمنحنى التأشيرة، فقال نعم.، قلت أنا لن أخرج من السفارة إلا بعد مقابلة السفير، فتركنى فجأة وخرج. أمسكت بالهاتف، واتصلت بأحد الأصدقاء، الذى سبق وقال لى لو واجهت مشكلة فى السفارة كلمنى، فأخبرته، بما حصل، فقال اطلب مقابلة الحاجة «حمدية». قبل أن أغلق الهاتف، كان الرجل قد أتى بثلاثة من رجال الأمن الذين طلبوا منى مغادرة السفارة فوراً، فقلت لهم أريد مقابلة الحاجة «حمدية».

كانت كلمة السر، مفتاح اللغز، كل شىء تبدل من بعدها، وجدت الموظف يبتسم، ورجال الأمن الغاضبين يتراجعون لخارج الغرفة، وكأنى قلت لهم إنى رئيس الوزراء الإثيوبى متخفٍ فى شخصية صحفى مصرى. طلب منى الموظف أن أذهب معه إلى غرفة مجاورة، وإذا بالحاجة «حمدية» ترتدى نظارة قراءة ومنهمكة فى ترتيب الأوراق فى ملفات عديدة، فدخل عليها الموظف منحنياً وقال لها الأستاذ يريد مقابلتك، فنظرت إلىّ وقالت انت الأستاذ الصحفى، قلت لها نعم، فأشارت للموظف بأن يمنحنى التأشيرة، فأخذ الرجل منى الجواز وانتظرت فى مكتبها لخمس دقائق، حتى أعاده لى بالتأشيرة. أوصلنى الرجل لباب السفارة فى احترام شديد، وعلى الباب صافحته، وقلت له تأكدت أنى لست مدلساً، فقال: أنت عبثت فى صورة الميل.. إذاً أنت مدلس!!