حول أكذوبة شرعية حكومة الوفاق
يدّعى أركان ما يُسمى بحكومة الوفاق فى العاصمة الليبية طرابلس مع أنصارهم المحليين والإقليميين والدوليين بأن تلك الحكومة «حكومة شرعية» تمثل الشعب الليبى. وقد سارت معظم وسائل الإعلام خلف هذا الادعاء المجافى للحقيقة، ونسى البعض أو تناسى الطريقة التى تأسست بها تلك الحكومة غير الشرعية بناء على اتفاق الصخيرات سيئ السمعة، والذى فُرض بالأساس من قبل القوى الغربية الكبرى التى اضطلعت بالدور الرئيسى فى القضاء على نظام القذافى، التى أقدمت على قتله أسيراً دون محاكمة، خشية أن تتحول محاكمته إلى نشر فضائح تؤثر على المستقبل السياسى لعدد من زعماء تلك الدول. لقد أقدمت قوات حلف شمال الأطلنطى على غزو الأراضى الليبية بذريعة حماية المدنيين وفقاً للصياغة الخبيثة لقرار من مجلس الأمن والذى حظى للأسف بمباركة جامعة الدول العربية. وبعد أن تم القضاء على نظام القذافى، انسحبت هذه القوات بعد أن تأكدت من تدمير مؤسسات الدولة الليبية، الأمر الذى كان يعنى تحويل ليبيا إلى ساحة للفوضى، لا سيما مع استيلاء مجموعات مسلحة متباينة لا تتمتع بأى قدر من الانضباط العسكرى على معظم أسلحة الجيش الليبى الذى تم القضاء عليه. لم تكن تلك الأسلحة أسلحة خفيفة، بل أسلحة متوسطة وثقيلة، تمكنت الجماعات التى استولت على أجزاء منها من تأسيس سلطة مستقلة بقوة السلاح فى كل مدينة ليبية. وتم إجراء انتخابات لمجلس انتقالى يمهد لنظام سياسى «ديمقراطى» جديد. وبالرغم من فوز قوى وطنية ليبرالية بزعامة محمود جبريل بالمركز الأول فى المجلس الانتقالى، تمت عرقلة جهود جبريل لتشكيل الحكومة، بضغط من السياسيين المرتبطين بالميليشيات المسلحة، وتمكنوا من تأمين أغلبية فى المجلس وتم تشكيل حكومات تسيطر عليها الميليشيات. وجاءت اللحظة الفاصلة مع إجراء انتخابات لمجلس النواب الليبى، حيث فازت القوى الوطنية الليبية غير المرتبطة بالميليشيات بالأغلبية فى المجلس المنتخب انتخاباً حراً ديمقراطياً، وتشكلت حكومة منبثقة عن أغلبية البرلمان، بيد أن الحكومة القائمة فى طرابلس والمجلس المؤقت رفضا، بدعم من الميليشيات المسلحة ومن القوى الغربية «الديمقراطية» راعية «الربيع العربى» المزعوم، تسليم السلطة للبرلمان الشرعى المنتخب وللحكومة الشرعية المنبثقة عنه. ومن ثم، أصبحت فى ليبيا حكومتان إحداهما شرعية فى الشرق، وأخرى مارقة فى طرابلس، ولم تتحرك القوى الغربية «الديمقراطية» التى تدخلت عسكرياً لإسقاط نظام القذافى «السلطوى المستبد» للإطاحة بالحكومة غير الشرعية، بل حظيت تلك الحكومة بدعم معظم هذه القوى من وراء الستار، الأمر الذى مكّن تلك الحكومة غير الشرعية من الاستمرار وتحدى الحكومة الشرعية والسيطرة على الموارد المالية للدولة الليبية. ولعل من الأهمية بمكان التذكير بأن كل الحكومات التى تشكلت فى طرابلس منذ انتخاب المجلس المؤقت عملت بتوجيهات مباشرة من العصابات المسلحة، التى أقدمت عدة مرات على احتلال مطار العاصمة طرابلس لتنفيذ مطالبها غير المشروعة، ولم تترك المطار إلا بعد تنفيذ حكومة طرابلس لتلك المطالب. وبلغت المأساة ذروتها مع إلقاء العصابات المسلحة القبض على اثنين من رؤساء الحكومة وهما فى السلطة والتحقيق معهما، ثم إطلاق سراحهما. وبدلاً من أن تقدم القوى الغربية «الديمقراطية» على احترام إرادة الشعب الليبى الذى انتخب برلماناً انبثقت عنه حكومة فى الشرق، تعاملت تلك القوى مع ليبيا وكأنها تحت نظام الانتداب أو نظام الوصاية البائدين. ومن ثم، تم «التوافق»، بالأساس بين القوى الغربية التى أوقعت ليبيا فى فوضى العصابات المسلحة، على الإبقاء على البرلمان المنتخب، والقضاء على حكومة الشرق المنبثقة عن البرلمان المنتخب وعلى الحكومة الفاقدة للشرعية القائمة فى طرابلس فى رعاية العصابات المسلحة. وفرضت هذه القوى الغربية حكومة «عميلة» تحت رعايتها، على أن تحصل تلك الحكومة قبل ممارسة مهامها على ثقة مجلس النواب المنتخب، وأن يتم انتخاب جمعية تأسيسية لإعداد دستور جديد يؤسس لنظام سياسى ديمقراطى، وتمت صياغة تلك البنود فى المؤتمر الذى عُقد بمدينة الصخيرات المغربية. وللمرة الأولى فى التاريخ، فى حدود علمنا، تفرض حكومة على برلمان منتخب، ولذا كان من البديهى ألا تحصل الحكومة التى شكّلها فايز السراج، تحت وصاية العصابات المسلحة والقوى الغربية الطامعة فى ليبيا، على ثقة البرلمان. ولا تزال حكومة السراج ومناصروها الإقليميون والدوليون يدعون أنها «حكومة شرعية»، وتسيطر على إيرادات ونفقات الدولة الليبية، لا سيما عائدات النفط من خلال سيطرتها على المصرف أو البنك المركزى الليبى. عن أى شرعية إذن يتحدث «السراج» وحكومته ومؤيدوه؟ ويعلم الباحثون المبتدئون فى السياسة أن الشرعية الدستورية أو القانونية تنبثق من الوصول إلى السلطة من خلال الوسائل التى نص عليها الدستور، وليس من خلال «مجلس للوصاية»، ولا سيما أن تلك الحكومة لم تحظ بثقة البرلمان المنتخب، وهو ما نص عليه اتفاق الصخيرات المشبوه الذى يتشدق «السراج» وزمرته بالحديث عنه. ويعلم الباحثون المبتدئون فى السياسة أن الشرعية السياسية تعتمد على رضا الأغلبية العظمى من المواطنين على أداء الحكام الذين وصلوا بالأساس إلى السلطة بطريقة مشروعة. ووفقاً لكل من الشرعية الدستورية والسياسية، لا تتمتع حكومة «السراج» بأى شرعية، فلا هى حكومة منبثقة عن انتخابات ديمقراطية، ولم يمنحها البرلمان المنتخب ثقته، بالرغم من فرضها بقوة السلاح وبدعم عدد من القوى الدولية والإقليمية. ولا يمكن الحديث عن أى شرعية سياسية لحكومة «السراج» التى فشلت أصلاً فى الحصول على ثقة البرلمان المنتخب الممثل الشرعى لإرادة الشعب الليبى. ولقد استمرأ «السراج» وزمرته وحليفه التركى استغلال تلك «الشرعية المزعومة»، فى ظل تواطؤ مريب من معظم القوى الغربية، فعقدت تلك الحكومة «غير الشرعية» معاهدة أو اتفاقاً مع تركيا للتعاون العسكرى ولإنشاء قواعد عسكرية ولترسيم الحدود البحرية وللتنقيب عن النفط والغاز أمام السواحل الليبية. ومرة أخرى، يعلم الباحثون المبتدئون فى السياسة وفى القانون الدولى أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية التى تعقدها الحكومات الشرعية، لا تكون نافذة إلا بعد المصادقة عليها من البرلمان المنتخب، ناهيك عن اتفاقيات تعقدها حكومة تفتقر إلى الشرعية. ومن ثم، تعتبر جميع المعاهدات والاتفاقيات المبرمة من قبل حكومة السراج غير ذات قيمة، ما لم يصادق عليها البرلمان، الذى لم يمنح الحكومة نفسها الثقة لممارسة مهامها، وفقاً لاتفاق الصخيرات الذى تأسست حكومة السراج وفقاً لقراراته. ومما تقدم يتضح جلياً أن لا شرعية على الإطلاق لحكومة السراج، ما لم تحصل على ثقة البرلمان المنتخب، وأن لا قيمة لأى معاهدات أو اتفاقيات تعقدها تلك الحكومة الفاقدة للشرعية، وأن البرلمان المنتخب هو المؤسسة السياسية الوحيدة التى تتمتع بالشرعية فى النظام السياسى الليبى. وعلى «السراج» والعصابات المسلحة الراعية له ولزمرته والمتحكمة فى قرارات حكومته، والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لاستمرار فوضى العصابات المسلحة، أن يتوقفوا جميعاً عن وصف تلك الحكومة بالشرعية، وأن يبحثوا عن ذريعة أخرى لتبرير الحرص على استمرار معاناة الشعب الليبى من حكومة الوصاية المفروضة عليه، والمستمرة فى عملها لأنها تعمل تحت إمرة العصابات المسلحة، وبتنسيق مع حلفائها الإقليميين والدوليين.