منظمة الصحة العالمية.. المفترَى عليها..!

رسمياً ومنذ عدة أسابيع فقط، انسحبت الولايات المتحدة من تمويل منظمة الصحة العالمية.

الانسحاب كان «عقاباً» لها على ما وصفته الحكومة الأمريكية بـ«التواطؤ» الذى مارسته مع حكومة الصين بشأن انتشار الفيروس..!!!

يؤمن الرئيس الأمريكى بأن المنظمة كان بإمكانها الإعلان مبكراً عن انتشاره.. كما يدعى أن رئيس المنظمة -الذى أتى بدعم صينى- قد تعاون مع حكومة الصين بشكل ما لإخفاء «أصل الفيروس».. ذلك الملف الذى أصبح حديث العالم فى الأيام الأخيرة..!

ربما لم يسمع أحد فى مصر -من غير العاملين بالقطاع الطبى- عن منظمة الصحة العالمية قبل الظهور الأول لوباء إنفلونزا الطيور فى بداية الألفية الحالية.. كان اسمها فى ذلك التوقيت مرتبطاً بدرجة كبيرة من الغموض والوقار العلمى.. إنهم هؤلاء الذين يرتدون ربطات العنق الأنيقة.. ويعدلون من وضع عويناتهم، بينما يتحدثون بإنجليزية رصينة، وهم يشرحون الوضع الوبائى فى مصر والعالم كله.!

أستطيع القول إنه فى ذلك الوقت، بدأ الناس فى التعرف على تلك المنظمة الدولية غير الهادفة للربح..!

فى كل الأوبئة يظهر اسمها بقوة.. فى إنفلونزا الخنازير والسارس والإيبولا.. وحتى كوفيد الذى ما زلنا نعانى منه.. كل مرة يتذكرها الناس.. وفى كل مرة أيضاً تصبح المنظمة موضع شك واتهام وهجوم بسبب أدائها الذى يراه البعض متخاذلاً.. ويراه البعض الآخر متواطئاً..!

الكل يهاجمها دون أن يعرف تحديداً حدود اختصاصاتها ومسئولياتها وصلاحياتها.. بل وما تستطيع فعله فى أى أزمة..!

فى البداية، ينبغى أن يدرك الجميع أن دور المنظمة الأساسى هو تقديم الدعم «الفنى» فقط.. دون التدخل بأى شكل فى السياسات الصحية للدول..!

بمعنى أنها لا تتحرك إلا بطلب من حكومات الدول.. لتدرس الأزمة وتقدم الحلول.. وربما تشارك فى تنفيذها إذا سمحت لها الحكومات بذلك.. ولكنها لا يمكنها أن تلزم أحداً بتلك الحلول.. كما لا تمتلك أى سلطة لكشف ما لا ترغب الحكومات فى الإعلان عنه..!

ربما امتلكت بعض القوة فى الإعلان عن أزمة ما بموجب قانون اللوائح الصحية الدولية.. الذى يقضى بأن تعلن الدول عن أرقامها أو إحصائياتها بشفافية ووضوح لحماية العالم كله.. وفى حال عدم إعلان الدول، يكون من حق المنظمة الإعلان عن الأرقام التى وصلتها من أى مصدر.. ولكنه يظل سلاحاً ضعيفاً فى ظل التعتيم الذى تمارسه بعض الدول شمولية الحكم مثلاً.. لتصبح الأرقام الرسمية هى المصدر الوحيد المتاح..!

ينبغى ألا ننسى أن المنظمة تعمل بجد فى الكثير من الدول التى تفتقر إلى الخبرات والإمكانيات لمحاربة العديد من الأوبئة والأمراض.. وأن مشاريعها فى مكافحة الأمراض فى أفريقيا وحدها لها الفضل الأول فى حماية معظم سكان القارة من طوفان الأوبئة الذى يعصف بها باستمرار..!

كل هذا كان ينبغى أن يتضح للناس قبل أن يتم فتح ملف «أصل الفيروس»، الذى يلوح به الرئيس الأمريكى فى كل مناسبة.. الذى أدت بعض التصرفات الصينية، كرفع «الأبحاث» التى تناولت ظهور الفيروس من على منصات البحث العالمية وإعادة فتح سوق المأكولات فى «ووهان» مرة أخرى دون أى تغيير فى طبيعته، إلى تزايد الشكوك حول امتلاكها القصة الحقيقية لظهوره..!

السؤال الذى ينبغى طرحه: هل كانت المنظمة تمتلك ما يجعلها تعلن عن ظهور الفيروس أو انتشاره؟ هل يمتلك مسئولو المنظمة القصة الحقيقية لأصل الفيروس؟

الإجابة فى رأيى أنها لم تمتلكها قط.. فسلطات المنظمة لم تسمح لها بالحصول إلا على ما أرادت الحكومة الصينية أن تعلن عنه.. لتصبح المنظمة مُفترى عليها معظم الوقت..!!

إن انسحاب الولايات المتحدة من تمويل المنظمة لن يؤذى سوى هؤلاء الذين يحتاجون لها بالفعل فى دول العالم الثالث.. ولن يعطل سوى برامج الترصد الوبائى والوقاية التى تنظمها فى أفريقيا وأمريكا الجنوبية.. أى إن الولايات المتحدة بانسحابها من تمويل المنظمة تعاقب هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون للمساعدة فى تلك الدول.. ولا تعاقب الصين أو حتى مسئولى المنظمة الذين تتهمهم بالتواطؤ!!!

أعتقد أن تحالفاً دولياً لتعويض العجز فى التمويل، الذى ستعانى منه المنظمة، ربما يكون ضرورياً.. فهناك مَن يحتاج إليها بشدة.. بمعزل عن كل ما تناله من اتهامات بشأن كوفيد، وأصله الذى لا يعرفه أحد.. أو هكذا أعتقد..!