المجلات العلمية المصرية فى التصنيفات الدولية
فى الأعوام الأخيرة، أعلنت عدة جامعات مصرية فى أكثر من مناسبة عن ظهورها فى عددٍ من التصنيفات العالمية للجامعات، مثل تصنيف شنغهاى الصينى، وتصنيف مجلة «التايمز» البريطانية للتعليم العالى، وتصنيف «كيو إس». وتعتمد هذه التصنيفات العالمية على مجموعة من المعايير الأكاديمية، ومن أهمها وأكثرها وزناً فى حساب التصنيف هو عدد الأبحاث المنشورة فى المجلات المحكمة دولياً والمدرجة فى قواعد بيانات المجلات العلمية Journals Databases، وأدلة المجلات العلمية Journals Indices، مثل قاعدة بيانات كلاريفت أناليتكس Clarivate Analytics والمعروفة بطومسون رويترز سابقاً، وتهتم الدول بإدراج المجلات العلمية الصادرة عن جامعاتها ومراكزها البحثية فى هذه القواعد والأدلة حتى تحظى بترتيب أعلى فى التصنيفات الدولية.
ولكن لأول وهلة يتبادر للذهن سؤال: ولماذا نهتم بتحسين تصنيف مجلاتنا العلمية، وما أهمية قواعد البيانات وأدلة المجلات العلمية وما أشهرها؟ وما معاييرها؟ -وبالتأكيد- ما وضع مجلاتنا العلمية فيها؟
فى معرِض الإجابة عن هذه التساؤلات تجدر الإشارة إلى أنه رغم التحسّن الملحوظ فى ترتيب الجامعات المصرية فى التصنيفات الدولية المشار إليها سابقاً ووصول أعرقها وأكبرها -جامعة القاهرة- مؤخراً إلى ترتيب غير مسبوق فى التصنيف الصينى، حيث دخلت ضمن أفضل 400 جامعة على مستوى العالم فى تصنيف 2020، إلا أنه ما زال وضع الجامعات المصرية فى هذه التصنيفات لا يليق بمكانة دولة رائدة كدولتنا فى الشرق الأوسط فى مجالات التعليم والبحث العلمى. وتأتى أهمية تحسّن ترتيب الجامعات المصرية فى هذه التصنيفات من كونها أحد مصادر القوة الناعمة للدولة ودلالة على جودة وكفاءة البحث العلمى فيها، مما يعطى للمؤسسات الدولية عموماً ولصانع القرار المحلى صورة عن إمكانية الاعتماد عليها فى صياغة سياساته. ومما يجدر ذكره فى هذا السياق أن جامعات دول شرق أوسطية سبقتنا بمراحل فى عدد من التصنيفات الدولية، رغم أننا كنا نسبقها فى الماضى.
وأما عن أهمية قواعد البيانات وأدلة المجلات العلمية، فكما ذكرنا فى مقدمة طرحنا أن نجاح أى جامعة فى إدراج مجلاتها العلمية فى هذه القواعد والأدلة يعد عنصراً مهماً تعتمد عليه التصنيفات الدولية فى ترتيبها لهذه الجامعة، والأهم من ذلك كله هو اعتماد هذه القواعد والأدلة على مجموعة من معايير الجودة الصارمة التى يجب أن تتحقق فى المجلة، حتى يمكن ضمها إلى قائمة المجلات العلمية بها، وبالتالى فإن إدراج أى مجلة علمية بها هو بمثابة شهادة ضمان لجودة الأبحاث العلمية المنشورة فيها.
أما أهم قواعد البيانات والأدلة، فهى كالتالى:
1 - قاعدة بيانات كلاريفت أناليتكس والتى تصنف جودة كل مجلة علمية فيها بمعيار يسمى «معامل التأثير» Impact Factor.
2 - قاعدة بيانات سكوبص Scopus وهى قاعدة بيانات للاستشهادات المرجعية، تصدر منذ عام 2004 عن الناشر العالمى إلسيفيير Elsevier.
3 - دليل مجلات الوصول الحر المجانى (Directory of Open Access Journals) والمعروف اختصاراً باسم دواج DOAJ، وهو دليل أنشئ فى عام 2003 فى جامعة لوند بالسويد.
هذا وتعتمد قواعد البيانات والأدلة تلك على نوعين من المعايير لضم وتصنيف المجلات، وهما:
1 - معايير قواعد النشر فى المجلة، وهى معايير تهتم بالجانب الشكلى من حيث إخراج المجلة، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، وكذلك تتعلق بسياستها التحريرية، التى تشمل سياسة التحكيم العلمى للأبحاث من أجل تقييمها، وشكل المقالات، ولغات النشر، وطرق كشف السرقات العلمية، وضمانات حقوق الملكية الفكرية، وأعضاء هيئة التحرير وتوزيعهم الجغرافى، بحيث يكونون من جامعات ومراكز بحثية من دول مختلفة.
2 - معايير جودة محتوى المجلة وتأثيره، وتقاس بعدد من المؤشرات يتم اللجوء إليها فى ذلك الشأن، مثل معامل التأثير للمجلة.
ولكن ما وضع مجلاتنا العلمية فى تلك القواعد والأدلة الدولية؟ وبالنسبة لوضع المجلات العلمية المصرية فإنه تجدر الإشارة إلى قيام المجلس الأعلى للجامعات المصرية مؤخراً بتقييم المجلات المصرية التى يتم اعتمادها من قبل لجان الترقيات العلمية لأعضاء هيئة التدريس، وقد قام المجلس بتقييم ما يربو على 600 مجلة مصرية، ولوحظ أن من بين تلك المجلات 37 مجلة فقط مدرجة فى قاعدة بيانات «سكوبص»، أى بنسبة تساوى 6% فقط من إجمالى المجلات العلمية المصرية وهو ما يعكس حاجتنا لبذل المزيد من الجهود لضم عدد أكبر من المجلات المصرية فى هذه القواعد.
ومما تجدر الإشارة إليه فى هذا السياق أن المشكلة الأكبر فى مصر فى ما يخص حجم الإنتاج البحثى أن معظم الأبحاث -خصوصاً فى كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية- تُكتب باللغة العربية، بينما هذه القواعد والأدلة تعطى الأولوية للمجلات التى تكون لغة النشر بها هى اللغة الإنجليزية فى الأغلب. ولذا ففى خلال السنوات العشر الأخيرة ظهر عدد من قواعد البيانات العربية، مثل معامل التأثير والاستشهادات المرجعية العربى ARCIF والكشاف العربى للاستشهادات والاقتباسات المرجعية ARCI، مما يعمل على حصر المجلات العلمية العربية فى قواعد بيانات كبرى، إلا أنه حتى وقتنا لا تأخذ التصنيفات الدولية بهذه القواعد العربية فى اعتبارها عند تصنيف الجامعات.
وفى هذا السياق، يكون من المهم لمؤسسات البحث العلمى المصرية اختيار ودعم أفضل الأبحاث المكتوبة باللغة العربية وترجمتها إلى الإنجليزية ودعم نشرها فى مجلات تُنشر بالإنجليزية، على أن تكون هذه المجلات مدرجة فى قواعد البيانات الدولية، مما يؤدى إلى تحسين ترتيب جامعاتنا بترجمة أبحاثها.
خلاصة القول، فإن إدراج أكبر عدد من المجلات العلمية المصرية فى قواعد البيانات الدولية يُعزز ترتيب جامعاتنا وبالتالى من مكانة مصر الدولية، ويُعد كذلك مصدراً مهماً من مصادر قوتها خارجياً وداعماً لعملية صنع قرارها داخليا. وأن ظهور 6% فقط من مجلاتنا العلمية فى القواعد الدولية هو فى حقيقة الأمر وضع لا يليق بدولة رائدة فى مجال التعليم فى أفريقيا وفى منطقة الشرق الأوسط، خاصة أن لدينا بالفعل مجلات علمية تحقق بعض المعايير المطلوبة للإدراج فى هذه القواعد وتحتاج فقط إلى توجيه بعض الإمكانيات البسيطة لتحقيق باقى المعايير الغائبة. ومن الجدير بالذكر أن وجود ناشر دولى للمجلة يسهل كثيراً من إدراجها فى القواعد الدولية، وهنا تبرز أهمية تمويل الدولة ومسئولية رجال الأعمال والشركات فى دعم وتحمل تكاليف الناشر الدولى كأفضل استثمار فى البحث العلمى.
* عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة