الأمن المائى المصرى: ثلاثية البقاء والعلم والتعاون
منذ أن شرعت أديس أبابا فى عام 2011 فى إجراءات بناء سد النهضة المثير للجدل، والعلاقات بين إثيوبيا ومصر تشهد توتراً شديداً وتصعيداً لا مبرر له من الجانب الإثيوبى. وقد تجلى هذا التصعيد والتعنت الشديد فى أوضح صوره فى الاتهامات المفتراة التى كالها ممثل دولة إثيوبيا لمصر فى كلمته بجلسة مجلس الأمن التى انعقدت بتقنية الفيديو كونفرانس يوم 29 يونيو 2020 لمناقشة أزمة السد بعد لجوء كل من مصر والسودان للمجلس للحيلولة دون قيام إثيوبيا ببدء إجراءات ملء السد أحادياً قبل الوصول إلى توقيع اتفاق قانونى يحدد فترة الملء ولا يضر بحصتى مصر والسودان من مياه النيل الأزرق. فاستمراراً للنهج المتبع من دولة إثيوبيا خلال المفاوضات التى جرت خلال عقد من الزمان بين مصر وإثيوبيا والسودان، وإمعاناً فى التدخل فى شئون مصر الداخلية، أشار ممثل إثيوبيا إلى أن مصر اتخذت قراراً فردياً بتنفيذ مشروع توشكى فى تسعينات القرن الماضى الذى استهلك كثيراً من المياه، على حد قوله، وأن مصر استخدمت أساليب رى غير رشيدة غزيرة المياه، مدعياً وجود مخزون كبير من المياه الجوفية النوبية التى تعتبر كفيلة بتغطية احتياجات مصر من مياه الشرب والزراعة فى حالة تعرض حصتها للنقص بسبب ملء السد وتشغيله.
هذا وقد سبقت كلمة ممثل إثيوبيا فى مجلس الأمن كلمة رائعة من وزير الخارجية المصرى سعادة السفير سامح شكرى، الذى أوضح أنه فى حين أن إثيوبيا تتمتع بموارد مائية وفيرة متمثلة فى متوسط أمطار يصل إلى 936 مليار متر مكعب سنوياً من المياه، بالإضافة إلى أحواض 11 نهراً آخر، فإن مصر فى المقابل تعيش فى أكثر مناطق حوض النيل جفافاً، وهى من ضمن البلاد الأكثر شُحاً فى المياه على وجه الأرض إذ يبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه فيها نحو 560 متراً مكعباً سنوياً، الأمر الذى يضع مصر على قائمة الدول التى تعانى من الفقر المائى وفقاً للمعايير الدولية.
وفى الواقع إن هذا الرقم الذى ذكره وزير الخارجية المصرى عن متوسط نصيب الفرد من المياه فى مصر يدعو إلى القلق البالغ على مستقبل الأمن المائى للأجيال القادمة فى مصر. فالتقديرات الدولية الخاصة بنصيب الفرد من المياه تشير إلى أن خط الفقر المائى لأى دولة يعادل 1000 متر مكعب للفرد سنوياً بينما خط الفقر المائى المدقع (الشح المائى) هو 500 متر مكعب، وطبقاً لهذه المعايير فإن مصر قد اقتربت بشدة من الدخول رسمياً فى مرحلة الشح المائى. وبالنظر إلى المستقبل، ومع التراجع المتوقع خلال السنوات القادمة فى نصيب المواطن المصرى من المياه بسبب عوامل تخص تغير المناخ والنمو السكانى المرتفع، فإنه وفى غضون 10 سنوات من الآن فإن متوسط نصيب الفرد من المياه سيكون فى 2030 هو 476 متراً مكعباً سنوياً وذلك بعد وصول تعداد مصر إلى 120 مليون نسمة تقريباً طبقاً للتوقعات الديموجرافية، وذلك طبعاً بافتراض عدم تناقص حصة المياه المخصصة لمصر من نهر النيل التى تقدر بـ55 مليار متر مكعب سنوياً بسبب ملء وتشغيل السد، وهو ما يسعى إليه وبقوة المفاوض المصرى فى أزمة السد.
أيضاً فى عام 2050 من المتوقع أن يصل حجم السكان إلى 160 مليون نسمة تقريباً وبنفس الافتراض السابق سيكون نصيب الفرد وقتها من المياه هو 357 متراً مكعباً سنوياً. تخيل معى عزيزى القارئ هذا التهديد الجسيم للأمن المائى المصرى فى المستقبل بسبب زيادة السكان فقط، فكيف سيكون الحال إذا تم المساس بحصة مصر السنوية المعتادة بسبب سد النهضة الإثيوبى.
أرجو أن يأخذ المفاوض الإثيوبى فى الجولات القادمة للمفاوضات كلمات وزير الخارجية المصرى أمام مجلس الأمن بعين الاعتبار حين أشار إلى أن المساس بحصة مصر من المياه قد يكون له تأثيرات اجتماعية واقتصادية مدمرة سوف تؤثر على جميع مناحى الأمن الإنسانى للمصريين فى الحاضر وفى المستقبل، بما فى ذلك الأمن الغذائى والأمن المائى والأمن البيئى والصحة العامة، وأن مصر سوف تحفظ وتؤمن المصالح العليا للشعب المصرى، حيث إن الدفاع عن البقاء ليس محض اختيار، وإنما هو مسألة حتمية تفرضها طبيعة البشر.
وفى المقابل فإن على الحكومة المصرية أن تدرس بعناية سبل مواجهة خطر الشح المائى الذى يهدد وبضراوة مستقبل مصر، فمع التأكيد على حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل وعدم التفريط فى متر مكعب واحد من حصتها يجب العمل بالتوازى على إيجاد حلول جذرية لمشكلة النمو السكانى غير المتناسب مع موارد مصر الطبيعية. وكذلك تطوير سبل جديدة لزيادة مواردنا المائية أو على أقل تقدير رفع كفاءة إدارتها وذلك بأن تتوسع الحكومة فى اللجوء لاستخدام طرق رى حديثة تضمن تزويد الأراضى الزراعية باحتياجاتها المائية مع التقليل من الهدر والاستغلال الأمثل للمورد المائى، وكذلك التوسع فى محطات التحلية التى بدأ إنشاؤها بالفعل فى الساحل الشمالى للقطر المصرى، وفى ظل الموارد المائية المحدودة أصبح استخدام أنظمة أكثر كفاءة فى إعادة تدوير المياه للاستخدام فى الزراعة والرى، ضرورة ملحة.
ومما لا شك فيه أن الاستثمار فى البحث العلمى للوصول إلى مصادر جديدة للمياه بأقل التكاليف الاقتصادية الممكنة هو إحدى أهم الاستراتيجيات التى يمكن أن تتبناها الحكومة لمواجهة أزمة ندرة المياه فى المستقبل. وذلك لأن البحث العلمى يجمع بين فضائل تحسين كفاءة الموارد القائمة وابتكار طرق حديثة لتطوير موارد جديدة. مما يجعل من البحث العلمى فى كثير من دول العالم بمثابة المخلص من الأزمات والمنجى من أى مغامرات أو مقامرات قد تتخذها الدولة لمواجهة مشكلاتها على حساب دول أخرى. وهو الأمر الذى لم يعد فى حد ذاته سهلاً فى عالمنا الحالى.
كذلك بالنظر للوفرة المائية الإثيوبية المذكورة أعلاه فعلى المفاوض المصرى أن يستثمر إجراءات حل الأزمة لتعميق أواصر التعاون مع دولة تحتاج للتنمية أكثر من الماء، بينما نحن نحتاج للماء أكثر من أى شىء. فلماذا لا نستغل إجراءات حل الأزمة لتكون مساراً لبناء الثقة وتبادل المنافع بين الطرفين فى إطار نيلى وأفريقى مفعم بقيم الجوار الحسن. هذا بالطبع يثرى احتمالات السلام المستقبلى ويجعل من جسور التعاون أكثر صلابة وتنوعاً من فرص النزاع.
حمى الله مصر وأهلها وأعان قادتها على ما فيه صالح مصر والمصريين.
عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة