«الاختيار» فن صناعة الوطنية
لا تتكرر تلك اللحظات التى عشناها مع حلقة «ملحمة البرث» من مسلسل الاختيار. تلك اللحظات نادرة، وقد تشاهد مئات الأعمال الفنية دون أن تمر عليك هذه المشاعر، ودون أن تدمع عيناك بمثل هذه الدموع الصادقة.. أبطال من لحم ودم، تفصلك عن حكايتهم الحقيقية سنين قليلة، وقائع وحقائق عشتها وتابعت تفاصيلها، سنوات من الشعور بالقهر والخوف وصولاً لحالة اللامبالاة، لم يعد شىء مهم، الجميع يموت، شباب فى عز شبابهم يغمضون أعينهم ويرحلون فى هدوء لا يليق بأحلامهم وطموحهم، الجميع يختبئ خلف أزرار أجهزة الكمبيوتر وأزرار تليفونه المحمول، يراقبون العالم، ويمارسون نضال «الكيبورد» معتقدين أنهم سيغيرون العالم بما يكتبونه، وأنهم يمتلكون كل الحقيقة، وأنهم قادرون على قيادة العالم من خلف هذه الشاشة الصغيرة.
لن أنكر أننى كنت واحداً من هؤلاء الشباب، الحالمين والساخطين فى نفس الوقت، ربما أحببنا البلد بطريقة خاطئة، ربما أثر فينا كم الشخصيات الزائفة التى احترقت أمامنا خلال العشر سنوات الأخيرة، فكان طبيعياً أن نصير إلى ما صرنا إليه، ولكن لا ننكر أننا مع كل عملية إرهابية وسقوط شهداء من قواتنا المسلحة وقوات الشرطة، كانت تحدث لنا هزة نفسية عنيفة، نحدّث أنفسنا بأن هناك إرهاباً، الدولة لا تكذب، هناك شهداء سقطوا، ولكن لقلة المعلومات وترك المساحة خالية أمام إعلام الإخوان والدول المعادية تضيع الحقيقة، يروّجون أن ما يحدث فى سيناء عمليات انتقامية تجاه الجيش المصرى الذى يمارس بطشاً كبيراً، يزوّرون فيديوهات ومكالمات ووقائع ويملأون الدنيا بها، تضيع الحقيقة وسط هذا الكم الكبير من الكذب والصمت فى نفس الوقت! حتى جاء مشروع مسلسل الاختيار.
قد يكون يكون لنا ملاحظات عديدة على الحوار وأداء بعض الممثلين المشاركين فى العمل أو أداء المخرج، لا لشىء سوى أننا كنا نطمح إلى أن يصل العمل لدرجة أكبر وأعمق من الكمال الفنى، ولكن فى الحقيقة كل هذه الملاحظات سقطت أمام ما قدمه «الاختيار» من حقائق ووقائع جعلتنا جميعاً نعرف قيمة وشرف الجيش المصرى، تابعنا قصصاً حقيقية لشباب يتسابقون على الموت ولا يزال صغارهم فى أيام عمرهم الأولى، رجال يودعون أسرهم وأبناءهم وهم على يقين أن عدم العودة لهم هو الفوز العظيم، وتابعنا شباباً وقع فى فخ الكراهية، تحولت أحلامه بدولة دينية إلى كابوس ابتلعهم وصنع منهم شياطين وكلاباً من نار، تنهش فى كل من حولها، رأينا وبكينا جنوداً وضباطاً ينزفون حتى الموت خوفاً على أجساد زملائهم المصابين والشهداء، كل هذا كان يحدث فى الواقع ونحن لا نزال نختبئ خلف شاشة تليفوناتنا المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الشخصية.
صفعنا «الاختيار» لنفيق من غفلتنا ونعرف أن هناك من هم أطهر وأشجع وأنبل منا ألف مرة، صفعنا ليعلمنا أن لا أحد يملك الحقيقة كلها، وأن هناك معلومات لا تقال لمصلحة الوطن والأمن القومى والروح المعنوية لأبناء القوات المسلحة، هذا ما فعله مسلسل، أو بالأدق حلقة واحدة من مسلسل، جعلت الجميع يبكون شهداءنا ويلعنون الإرهاب الأسود.. فشكراً لكل شخص عمل على خروج هذا العمل للنور، بداية من أصغر عامل بالمسلسل وصولاً إلى تامر مرسى، رئيس مجلس إدارة الشركة المتحدة، الذى سأستعير الشكر الذى كتبه على صفحته الشخصية لصُنّاع العمل.. وفى مقدمتهم الضابط المخلص الذى حبّب كل الإعلاميين من أصدقائه فى المنسى قبل المسلسل وساهم بجهد فى أن يعشق كل الناس الجيش المصرى والمنسى من خلال المسلسل، بالإضافة إلى المبدعين الذين سيسجل التاريخ أسماءهم بحروف من نور: المخرج بيتر ميمى وباهر دويدار وأمير كرارة وأحمد العوضى والمنتج الفنى فتحى إسماعيل والمشرف العام حسام شوقى وكل فريق العمل.. شكراً لكم جميعاً.