حصان كورونا الذى يركبه الجميع

السياسة باتت علم اللارحمة، واللاضمير، أو بالأحرى علم انتهاز الفرص، حتى فى أشد الحالات دماراً وعنفاً وضراوة.

وباء كورونا لم يسلم من رجال السياسة حول العالم، الكل ركب ذلك الحصان الهائج، وبدلاً من ترويضه، وتحجيمه، وحماية الشعوب منه، بات السياسيون فى شتى أرجاء المعمورة، يركبون هذا الحصان الهائج، ويوجِّهون مساره، حسب احتياج كل واحد فيهم.

الولايات المتحدة الأمريكية محتكرة الرقم واحد فى كل شىء، حتى فى الخراب والدمار والموت والوباء، قرّر ساستها استغلال الوباء، واستخدامه لتحويل نظر الرأى العام، وتحويل مسار الغضب الشعبى على تردّد وجهل الإدارة، بإحلال الصين كعدو أكبر، وهدف أولى بالرصاصة، ليتراجع الإسلام كثيراً، وتتراجع روسيا قليلاً، على قائمة الأهداف الأمريكية.

إصابة رئيس الوزراء البريطانى بالفيروس، أنقذته هو الآخر من مصير تلقى سهام النقد والاتهام، لضعف قيادته، وجهله باستشراف الخطر، وبدلاً من صورة كبير الخراف الذى يسوقهم نحو الذبح، والتى رُسمت له قبل الإصابة، والتى كانت ستُعجِّل بسقوطه، أصبح الفيروس طوق نجاة لبقائه فترة أطول من الزمن، قد لا تدوم كثيراً، بعد حالة التعاطف الواسعة التى حظى بها بعد الإصابة.

ألمانيا التى كاد الاتحاد الأوروبى يفرط من بين يديها بعد ضربة البريكست البريطانى، وهجمة كورونا وانشغالها بمداواة جرحها، استفاقت أخيراً وقررت ركوب حصان كورونا، وشرعت فى قيادة تعاون أوروبى لمواجهة الوباء، ولم يتبقَ لها سوى إعلانها عن اللقاح أو الدواء، لتكون قد رمّمت ما أفسده البريكست، وما صدّعته ضربة كورونا الأولى.

الصين التى جعلت العالم ينتظر أسابيع خلف أبوابها الموصدة، كى يحصلوا منها على خبر أو معلومة عن هذا الفيروس الجديد، وما إن استتب أمنها، وأحكمت سيطرتها، حتى فتحت الأبواب -متأخراً جداً- بعد انتقال الفيروس إلى أرجاء المعمورة، وبدلاً من أن تقف موقف المدافع عن نفسه، وتتلقى اللوم، وتدفع لتقديم الاعتذار، سارعت بالقفز إلى الأمام، وأرسلت معوناتها وقوافلها الطبية، ومساعداتها اللوجيستية إلى قلب أوروبا، وعدد كبير من دول العالم لتمحو آثار صمتها المريب.

تركيا كانت على أعتاب انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، فالاقتصاد آخذ فى التراجع، وقدرة الناس على التحمّل اقتربت من الانهيار، والقوى العميقة انتوت الإطاحة بالرجل الذى أصبح الخاسر الدائم، لكن فجأة يضرب الفيروس أرجاء تركيا، وبدأ الناس يتساقطون فى الشوارع، ما بين موتى ومرضى، وظهر العجز المخيف فى قدرات الدولة المنهكة بفعل التخبّط السياسى، فانقلب أردوغان على ثوابته، وتحالف مع ألد أعدائه؛ الدولة العميقة، وشدّد قمعه للصحافة والإعلام، وحاصر معارضيه ومنافسيه، لينفرد تحت طوارئ كورونا بالمشهد الداخلى، ويزيد من سيطرته على مراكز القوى.

ليبيا التى أوشكت فيها حكومة الوفاق على الاستسلام، بعد حصار دولى خانق على تحالفها مع أردوغان، ما إن جاءت أزمة وباء كورونا، وانشغال القوى المؤثرة فى المشهد الليبى بأوضاعها الداخلية والموت المتزايد بين حدودها، والرعب المنتشر فى شوارعها، حتى انقلبت على اتفاق وقف إطلاق النار، وهاجمت قوات الجيش الوطنى فى عدة مناطق، آملة فى استعادة السيطرة على ما نجح الجيش فى تحريره، لكن الأمر لن يدوم طويلاً.

حتى جماعة الإخوان التى تتّخذ من إسطنبول مقراً لها ومنطلقاً لهجماتها، استغلت كورونا هى الأخرى، وقررت إعادة الهجوم على الدولة المصرية -بعد فشل متوالٍ ومتكرر قبل الوباء- بشن حملات تشويه وأكاذيب، ولىّ حقائق، لاستمالة الشعب المصرى نحوها من جديد، لكن الأسباب التى كانت وراء فشلها قبل كورونا لم تتغير بعد كورونا، لذا فالمصير المحتوم ما زال شاهداً ومتجلياً، وسيتكرر لا محالة.