«العيش والملح».. وحكومة محلب!!

لـ«رغيف الخبز» قدسية خاصة عند المواطن مهما كان مستواه الاقتصادى ومركزه الاجتماعى والطبقة التى ينتمى إليها، سواء كان ذلك المواطن الذى يُنحى جانباً «الشوكة والسكين» المدموغتين بشعار ماركة عالمية بعد أن يفرغ من طعامه‏ فى «ريستوران» فاخر أو على «ترابيزة سفرة» فى فيلته.. أو هذا المواطن الذى ينتظر أن يمسح بقطعة «عيش» بقايا فول علقت بجدران صدئة لـ«طبق صاج» فور أن ينتهى أطفاله من «سباقهم المحموم» للفوز بـ«غموس‏» أى غموس.. أو عامل «اليومية» هذا الذى «يشطر» الرغيف إلى شطرين ليسهل التهامهما قبل أن يلحقه بـ«كوب» من الشاى الأسود ويكاد يقطر عسلاً من كثرة السكر -باعتباره طبق «الحلو»- يتجرعه فى سرعة «البرق» وعيناه معلقتان على الطريق انتظاراً لذلك «البيه» المقبل فى سيارته فربما يقع اختياره عليه ليستأجره مقابل 20 أو 30 جنيهاً! و«رغيف العيش» لدى المواطن وسيلة لبيان صدق المتحدث فهو «نعمة» يضعها على عينيه لـيقسم بها «وعليا النعمة».. كما أنه رمز للحفاظ على الصداقة والعشرة «يصون العيش والملح».. كما أنه سيد «السفرة أو الطبلية»، ولذا فإن ارتفاع أسعار السلع، أى سلع، أمر قد يكون مقبولاً من «البعض» ومرفوضاً من الآخرين وفق مستوى معيشة ودخل أى طرف منهما بصرف النظر عما اعتاد المواطن سماعه من مفردات ومصطلحات على غرار «رفع الأسعار دون المساس بمحدودى الدخل»، وهو ما اعتمده المسئولون فى الحكومات التى تعاقبت على الوطن منطقاً لتبرير هذا الارتفاع كما اعتدنا خلال السنوات الماضية‏.. ‏ أما أن يرتفع سعر رغيف الخبز فإنه بالتأكيد أمر مرفوض من الجميع مهما تكن مبرراته ومنطق حجية هذا الارتفاع‏!!‏ وإذا كانت الخزانة العامة للدولة تعانى من خلل واضح وعجز بيّن فى الموارد والنفقات -بسبب ما سماه المسئولون «الدعم» الذى لا يصل إلى مستحقيه- وتتحمل الدولة بسببه مليارات الجنيهات سنوياً، فإن أسهل الطرق التى يلجأ إليها المسئولون دائماً هو رفع الأسعار بصرف النظر عن تأثير ذلك الإجراء على الفئات المستهدفة «محدودة الدخل»!! بهذا المنطق لم يجد «سبارتاكوس محرر الدقيق الذكى» الشهير بالدكتور خالد حنفى وزير التموين سوى «كارت ذكى» لتوزيع الخبز على المواطنين بنفس السعر «5 قروش» للرغيف نعم ولكن ليس بنفس الوزن أو الشكل وفق الشكاوى العديدة من المواطنين الذين جرى تطبيق هذا النظام عليهم «مواطنى محافظة بورسعيد»، وهو ما يعنى فى النهاية رفع أسعار الخبز بطريقة غير مباشرة، وهو ذات الأسلوب القديم الذى اعتادت الحكومات اللجوء إليه بتخفيض أوزان السلع!‏ على الرغم من أن ذاكرة المواطن كانت قد اعتادت مشاهد طوابير الخبز منذ سنوات عدة فإنه ارتضى أخيراً أن يعود ليصطف فيها، غير أن ما يثيره حقيقة هو حجم هذا «الرغيف» الذى يمسك به فى نهاية اليوم بعد انتهاء ذلك «الماراثون» الذى دخله فى بداية النهار للحصول على «العيش‏».. ولا يأبه المواطن كثيراً بتلك المعاناة المعتادة فى سبيل الحصول على خبز صالح للأكل بشرط ألا يقل وزنه أو يزيد سعره وهو ما نتمناه من ذلك النظام الجديد على الرغم من أن بوادره لا تبشر بذلك، إذ وجد «مواطنو بور سعيد» أنهم يمسكون بأيديهم فى النهاية رغيفاً يتجاوز حجمه بالكاد ضعف حجم «قرص الإسبرين»!!‏ ومع تسليمنا بخطورة عجز الموازنة العامة للدولة وحتمية إعادة التوازن بين الموارد والنفقات واعترافنا بحقيقة ارتفاع أسعار القمح عالميا‏ً.. وباعتباره سلعة استراتيجية فإنه يجب على الحكومة إعادة النظر فى أمور عدة أولها تشجيع المزارع على زراعته من خلال إقرار سعر مجزٍ لتوريده بعد أن هجر الكثيرون زراعته لضآلة عائده‏، إذ كيف تشترى الدولة القمح من الخارج بأسعاره العالية بالدولار بينما تلقى للفلاح بمجرد بضعة جنيهات للأردب؟‏!‏ ولأن القضية عاجلة فإنه لا بد من تشديد الرقابة على الأفران حتى تعود لإنتاج رغيف الخبز مطابقاً للمواصفات من ناحية الوزن والقطر بدلاً من «أقراص الإسبرين» التى تنتجها حالياً وتتعمد خداع المواطن بتسميته «عيش الحكومة»‏ وهو ما أتاح «الكارت الذكى» لهذه الأفران الفرصة لإنتاج رغيف بهذه المواصفات الجديدة «وفق شكوى مواطنى بور سعيد»!!.. ووقتها لن يضطر المواطن إلى رفع صوته بالشكوى من أن الحكومة لم تحافظ على «العيش والملح» معه أو أن يضطر إلى شراء «العيش من الصيدليات»!! ‏