اليمن وفرصة ضائعة لحقن الدماء

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

كلما يمر المرء على أحوال اليمن يدرك أن مصيبته الكبرى هى فى بعض رجاله، لا يهمهم شأن من يحكمون ويتطلعون إلى انتصار موهوم، ولا يعتبرون لنزيف الدماء وحال الخراب الذى أصبح عادة يومية. فبالرغم من أن اليمن لم يشهد بعد انتشاراً لوباء كورونا المستجد، اللهم حالتين فى حضرموت، فإن التعويل على أن يبقى الأمر تحت السيطرة فى ظل الصراع العسكرى لا يعدو أن يكون وهماً كبيراً، ومخاطرة لا قِبل لأحد بالتحكم فيها. وكما فرض وباء كورونا تحولات كبرى فى سلوك البشر جميعاً وحكومات الدول كافة، لا يبدو أن ساسة صنعاء مدركون لخطورة هذا المرض بالقدر الكافى. والأدهى من ذلك أن الإعلام الذى تسيطر عليه جماعة «أنصار الله» يرى الأمر وكأنه مزحة ولعبة لعبها الأمريكيون ولكنها رُدت عليهم، وأن من ينصحهم بالحذر والتجاوب مع جهود الأمم المتحدة لوضع القتال جانباً والبدء فى بناء الثقة مع الحكومة اليمنية، وصولاً إلى عملية سياسية تعيد السلم لليمن والاستقرار لشعبه، لا يعدو أن يكون سوى عميل للاستكبار العالمى يسعى إلى استغلال الانشغال العالمى بمكافحة الفيروس لضرب اليمن نووياً بعد أن ينشر فيها الوباء، كما قال أحدهم وردده آخرون فى موقع للجماعة الحوثية. وكأن القنابل النووية مزحة يلعب بها الصغار على قارعة الطريق.

عمليات التحريض من أنصار عبدالملك الحوثى ضد الأمم المتحدة والمبعوث الدولى مارتن غريفيث لم تتوقف، والرجل موصوم بأنه لا قيمة له ولا يقدم ولا يؤخر، ويهتم بأن يبقى فى المنصب الدولى وحسب، ولذا فلا قيمة للتواصل معه أو التفاعل بحكمة مع أفكاره التى قدمها من قبل أو تلك التى صاغها أخيراً فى صورة عملية من ثلاث خطوات مترابطة مع بعضها البعض؛ الأولى وقف إطلاق النار يشمل عموم اليمن ويكون خاضعاً للمساءلة، والثانية مجموعة من التدابير الاقتصادية والإنسانية للتخفيف من وطأة المعاناة عن الشعب اليمنى وبناء الثقة بين الأطراف. والثالثة الالتزام باستئناف العملية السياسية. فضلاً عن تعزيز وتنسيق الجهود بين الأطراف اليمنية والمنسق الأممى للشئون الإنسانية لمواجهة تهديد التفشى المحتمل لفيروس كورونا المستجد. ويضيف «غريفيث» أن الأمم المتحدة على استعداد لتوفير ضمانات لإنجاح العملية برمتها.

الخطوات الثلاث مترابطة، وإذا خلصت النوايا ووجدت الإرادة السياسية من كل الأطراف فمن الممكن أن يضع اليمن خطواته الأولى على طريق بناء دولة جديدة لكل مواطنيها بدون تفرقة بين شمالى أو جنوبى، بين عدنى أو صنعانى. وفى الوقت الذى اتخذ فيه التحالف الداعم للحكومة اليمنية قراره بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لتهدئة الجبهات العسكرية والالتفاف الجدى نحو تهديدات فيروس كورونا من جانب باعتبارها مهمة إنسانية عاجلة غير قابلة للتأخير، والتمهيد عملياً للتعامل الجاد مع مبادرة المبعوث مارتن غريفيث، أصر من يعرف بالمتحدث العسكرى للحركة على استمرار القتال، ورد الزحوفات التى قام بها الجيش اليمنى.

ومرة ثانية فإن الإعلام الحوثى يقدم المبررات لعدم الاهتمام بوقف إطلاق النار، بل ويحرض على استمرار العمليات العسكرية ضد الجيش اليمنى، ويعد بالنصر وتحرير المحافظات التى تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والكل يردد مقولة عبدالملك الحوثى زعيم الجماعة أن وقف إطلاق النار ليس سوى مناورة سياسية وحسب ليغطى على هزائمهم. وعملياً فقد قامت المجموعات العسكرية التابعة لجماعة أنصار الله بمحاولة الاستفادة من وقف إطلاق النار لتعديل الأوضاع العسكرية فى عدة جبهات منها البيضاء والجوف ومأرب ونهم وتعز ولحج، ما يعكس الطريقة التى تفكر بها الجماعة، استناداً إلى قناعة تروج لها بكثافة بين اليمنيين المشمولين بسيطرتها بأن الانتصار الشامل قاب قوسين أو أدنى وتحرير اليمنيين لا رجعة عنه، وأن الطرف الآخر لديه انقسامات سياسية تحولُ بينه وبين أن يحافظ على المواقع التى يحكمها، أما الصناعات العسكرية اليمنية الحديثة، حسب وصفهم، فسوف تقلب الموازين رأساً على عقب قريباً جداً. فضلاً عن الكثير من هذه المقولات ومثيلاتها التى تعكس رؤية بعيدة عن الواقع من جانب، ولا مبالاة راسخة بأوضاع اليمنيين المهترئة من جانب آخر.

القناعة الحوثية على هذا النحو تحفز على استمرار الصراع ودفع اليمن إلى هوة سحيقة لا قرار لها. بعض المحللين العرب الذين ينظرون إلى نصف الكوب الفارغ، يعتبرون موقف عبدالملك الحوثى من كهفه السحيق هو عين الصواب، بعضهم يجاهر بالمحبة لليمن واليمنيين، ولكنهم لا يقدمون النصيحة الحقة. بعض نصائحهم تعطى للحوثى ثقة زائفة بنصر قريب لن يأتى قط. هم يعلمون قبل غيرهم أن خدعة الصناعات العسكرية اليمنية الحديثة التى تحمل الضرر والدمار لجيران اليمن لا صحة لها، ولا قدرة أصلاً لصنعاء فى ظل الظروف الراهنة على أن يكون لديها صناعات حربية حديثة، وهم يعلمون قبل غيرهم أن الصواريخ التى تستهدف السعودية ويُهدد بها الإمارات ليست سوى صناعة إيرانية جملة وتفصيلاً.

من المحزن أن تضيع فرصة تلو أخرى، يمكن أن تنهى نزيف الدم اليمنى. ومن المحزن أكثر أن تطالب جماعة أنصار الله بفرض شروطها حول ما تعتبره تسوية شاملة يتوقف فيها القتال أولاً وترفع القيود على حركة الجماعة ومسلحيها ويفرج عن أسراها دون أن تقدم أى شىء فى المقابل، وبدون حتى المشاركة فى مفاوضات برعاية أممية، وكأنها سحقت الطرف الآخر تماماً وتطالبه بإعلان الاستسلام وقبوله الإذعان لسلطة الجماعة على كل البلاد. والمفارقة الأكبر هنا هى ذلك التصور الذى لا أساس واقعى له أن جماعة معينة قادرة بمفردها على ابتلاع اليمن بكل تنوعه وكل الحساسيات التى تشكلت خلال العقود الأربعة الماضية، بين المناطق والمحافظات والأقاليم المختلفة، والتى بدورها بحاجة إلى فكر إنسانى منفتح يرنو إلى الحق فى الحياة الكريمة كأساس لحكم البلاد، وأن يتخلص من نزعات التسلط والتفوق الكاذب التى تشد الجميع إلى الوراء.

فى السياق ذاته، ثمة جهد أكبر على الحكومة اليمنية والتحالف المساند لها، أن تبذله من أجل أن تقنع اليمنيين المغيبين بفعل الهجمة الحوثية، بأن قدر اليمن هو فى السلام وليس الحرب. المشكلات التى تعانى منها حكومة معين عبدالملك بحاجة إلى وقفة جادة وتحديد رؤية وأسلوب احترافى لحل المشكلات الأمنية والحياتية لكل المحافظات التى بحوزتها كخطوة مهمة وضرورية لإقناع اليمنيين شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بأنها حكومة جديرة بالثقة من أجل السلام والبناء.