رُبَّ "كورونا" نافعة

رُبَّ "كورونا" نافعة

رُبَّ "كورونا" نافعة

أيام عصيبة لم تشهدها مصر من قبل، فالدراسة معطلة، والتجمعات ممنوعة، ومباريات كرة القدم مؤجلة، حتى سُبل الترفيه لم تعد متاحة أمام الكبار والصغار الذين التزموا بيوتهم خوفاً من فيروس كورونا، حياة تبدو صعبة بالنسبة للبعض، لكن البعض الآخر رأى فيها وجهاً مشرقاً، وهو حدوث تغيير جذرى فى عادات وسلوكيات خاطئة كان المصريون يتبعونها قبل أن يتوقفوا عنها للوقاية من الفيروس. وأهم هذه العادات الدروس الخصوصية، التى توقفت رغماً عن أولياء الأمور، بعد الحملات التى شنتها الدولة على السناتر، وكذلك أكل الشارع الذى طالما أضر بصحة المواطنين، لكنهم لم يفيقوا من غفلتهم إلا بتهديد من كورونا، بالإضافة إلى «قعدة القهاوى» التى عزف عنها البعض، خوفاً من انتقال العدوى عبر الأكواب المتسخة، ولىّ الشيشة، الذى ينتقل من فم إلى آخر، والأهم من كل ما سبق أن الأسر المصرية عادت إلى الالتفاف حول التليفزيون، فى مشهد لم يكن مسبوقاً منذ سنوات.

الكحول والمنظفات فى أيدى الجميع

غسل اليدين والملابس باستمرار، مسح الأسطح بمناديل مبللة ومطهرات واستخدام جيل للأيدى، لا تقل نسبة الكحول به عن 60%، عادات اكتسبها مصريون بعد ظهور فيروس «كورونا»، والفزع من انتشار العدوى، الأمر الذى انعكس إيجابياً على مظهرهم العام ونظافتهم الشخصية، وبرهنه نفاد تلك المستحضرات من الصيدليات.

يصف الدكتور إسلام عابد، إقبال زبائن الصيدلية، التى يعمل بها فى منطقة زهراء مدينة نصر، على شراء الـ«جل، كحول، غسول ومناديل مبللة»، بغير المسبوق، خاصة المنتجات ذات الماركات الشهيرة، ما أدى إلى نفادها فى معظم الصيدليات، ورفع سعرها إن توافرت، بمقدار 3 جنيهات تقريباً فى كل منتج: «الفزع من الإصابة بالفيروس كان سبب الإقبال عليها، لدرجة أننا فى الصيدلية نوفر 3 أو 4 قطع من كل منتج بالكاد».

تتفق معه الطبيبة الصيدلانية زينب محمد، حيث شهدت المنتجات المطهرة والمنظفات، التى تبيعها فى الصيدلية الكائنة فى منطقة حدائق الأهرام، إقبالاً يتزايد يوماً تلو الآخر، على حد زعمها، خاصة مع زيادة الفزع من الإصابة بالفيروس المستجد، وانتشار الشائعات، الأمر الذى رفع من مبيعات تلك المنتجات.

بطّلنا شيشة.. العمر مش بعزقة

فشلت معظم المحاولات التى كانت تطالب بإخلاء المقاهى من الشيشة نظراً لأنها تضر بالبيئة وصحة المواطنين، حتى أتى فيروس كورونا، وجعل الناس تسكن بيوتها وتمتنع عن نزول المقهى خوفاً من انتشار العدوى، وحماية أنفسهم من المرض.

كان محمد أحمد، يجلس أكثر من 6 ساعات متواصلة على المقهى من الواحدة منتصف الليل وحتى السادسة صباحاً برفقة أصدقائه يلعبون الدومينو والطاولة ويأكلون وجبات سريعة ويختارون مشروبهم من قائمة المشاريب، حتى سمع عن إمكانية انتقال فيروس كورونا من خلال الشيشة: «مفيش حاجة بتتغسل كويس زى البيت، أنا بطلت شيشة خوفاً على صحتى بس زعلان إنى اتحرمت من المكان اللى اتعودنا عليه».

كان أحمد خيرى يذهب للمقهى لمشاهدة مباريات الدوريات الأوروبية ودورى أبطال أوروبا، يعرف جدول مواعيد المباريات ويجلس أكثر من 4 ساعات قبل وأثناء وبعد المباراة، لكنه امتنع منذ 10 أيام بعد إلغاء المباريات وانتشار الفيروس: «حاسس بملل من قعدة البيت ومفيش حاجة بعملها غير إنى بتفرج على أفلام وثائقية، لو الوضع استمر أكتر من كده هنتخنق كلنا».

يا فرحة الستات.. مفيش "جيم"

يبدو أن قرار الامتناع عن الذهاب إلى الصالات الرياضية، كإجراء وقائى بعد انتشار فيروس كورونا، عاد بالفرحة والسعادة على السيدات، اللاتى عانين طويلاً من غياب الزوج عن رعاية الأبناء وقضاء عدة ساعات يومياً فى «الجيم»، ما يعنى أنه سيكون شريكاً فعالاً فى المذاكرة للأبناء.

«جوزى كان بيقعد مش أقل من 5 ساعات فى الجيم ماعرفش بيعمل إيه، رغم إنى بروح الجيم زيه بس قرار منعه بصراحة بسطنى لأنه هيفضل قاعد معايا أنا والولاد يساعدنى ويشاركنى فى المذاكرة».. حسب مروة محمد، ربة منزل، التى قسمت مهام المنزل ورعاية أولادها بينها وبين زوجها، باعتباره أصبح متفرغاً للبيت: «خلال الـ15 يوم دول هستريح شوية، والضغط هيخف من عليا»، وقرر الزوجان ممارسة بعض التمارين الرياضية البسيطة معاً فى المنزل، للحفاظ على لياقتهما البدنية.

رغم أن مصطفى زغلول، مدرب رياضى، من محبى ممارسة الرياضة كهواية قبل أن تكون وظيفته الأساسية، فإنه قرر عدم الذهاب إلى الجيم، منذ أمس الأول، خوفاً من الإصابة بالعدوى الفيروسية: «العمر مش بعزقة».

وداعاً أكل الشارع.. "البيتى يوكل"

الزحام حول عربات الفول كل صباح، وتزاحم سائقى الموتوسيكل «الدليفرى» وسط السيارات لسرعة توصيل طلباتهم، كانا جزءاً من الحياة اليومية فى الشارع المصرى، لكن بعد زيادة الإجراءات التى من شأنها الوقاية من فيروس كورونا، بدأ الناس يتخلون عن «أكل الشارع» ويعودون إلى «الأكل البيتى» باعتباره الأكثر صحة وأمناً.

ربيع سيد، صاحب عربة فول، فقد نصف زبائنه خلال الأسبوع الماضى: «الفيروس ده أثر على شغلى، خوف الناس خلاهم مقلقين ومابقوش ييجوا زى الأول»، يعانى من انخفاض نسبة المبيعات التى اعتاد أن يحققها يومياً.

كان كريم عادل يأكل كل وجباته فى الخارج حتى أتى فيروس كورونا وجعله يعود لطعام والدته وأخذ ما يكفيه منه فى مكان عمله مستغنياً عن طلبات «الدليفرى» التى كانت جزءاً من يومه: «بطلع من الصبح فاطر وبتغدا وبتعشا من برا، دلوقتى بقيت أقلق من النضافة وانتشار الفيروس، فاضطريت آخد أكل من البيت أضمن».

عودة لمة العيلة: الفيروس يجمعنا

الالتفاف حول طاولة الطعام أو شاشة التليفزيون، وجلسات السمر فى البلكونة وحكاوى الذكريات، ومشاهد كادت تختفى من البيوت، لانشغال الآباء بالعمل والأصدقاء لساعات طويلة خارج المنزل، والأبناء بالدروس الخصوصية والنوادى والمتنزهات، ليأتى «كورونا» ويفلح فيما فشلت فيه استغاثات الأمهات، ونصائح خبراء النفس وعلم الاجتماع، ويلم شمل الأسرة.

«بنك الحظ»، لعبة لم تكن «عزيزة جابر» تتصور أنها ستعود لها بعد سنوات طويلة من الهجر، وتلعبها هذه المرة مع أطفالها الثلاثة، الذين لم يتفهموا كيف يمتنعون عن الذهاب إلى المدرسة أو تمرين «الجودو»، ويجلسون فى البيت لأيام طويلة.

وتشبه ياسمين عاطف الأيام التى نعيشها حالياً بفترة «حظر التجوال»، التى أعقبت الثورة، مقررة السعى لقضاء وقت ممتع مع أسرتها: «زوجى مهندس، ودائماً مشغول، وبناتى إما فى المدرسة أو التمرين، وبسبب كورونا، لازم نلاقى طريقة نستمتع بها بالوقت».

أخيراً.. مفيش دروس خصوصية

سنوات طويلة حاربت فيها الدولة ظاهرة الدروس الخصوصية، ولم تنجح فى القضاء عليها نهائياً لأسباب كثيرة أهمها عدم وعى أولياء الأمور بخطورتها بل والدفع بأبنائهم إليها، لكن مع أزمة فيروس كورونا وخوف الأهالى من انتقال العدوى إليهم، جعلهم يمنعون أبناءهم عن الدروس، وساعد على ذلك أيضاً الحملات التى شنتها وزارتا الداخلية والتعليم منذ أمس الأول لإغلاق سناتر الدروس الخصوصية.

بعد تعطيل الدراسة لمدة 15 يوماً، أول قرار اتخذته سارة عبدالسلام، موظفة، هو منع ابنتها «فريدة» الطالبة فى الصف الثانى الثانوى، من الذهاب إلى سنتر الدروس الخصوصية: «خايفة عليها قلت لها مفيش دروس خصوصية، حتى قبل صدور قرار تعطيل الدراسة وأنا بفكر إنى أمنعها، وقلت تعتمد على نفسها فى المذاكرة»، مؤكدة أن الجيل القديم لم يكن يعتمد على الدروس الخصوصية نهائياً، إلا فى المواد العلمية كالكيمياء والفيزياء: «عمرنا ما شفنا أيام زى اللى إحنا فيها دلوقت».

وبقينا نسلم من بعيد لبعيد

حملات رسمية وأهلية كثيرة، تم إطلاقها لمنع تبادل القبلات، وذلك مع كل أزمة فيروسية تتعرض لها البلاد، مثل إنفلونزا الطيور والخنازير، ولم يأخذها الكثيرون بمحمل الجد، لكن مؤخراً مع انتشار فيروس كورونا، قرر عدد كبير من المصريين، الامتناع عن عادة التقبيل والأحضان، والاكتفاء بالسلام على مسافة متر، خوفاً من انتقال العدوى.

«فيروس كورونا، الحصبة، الغدة النكافية، الجُدرى المائى، بكتيريا المخ والمعدة والأمعاء والجهاز العصبى»، بعض الأمراض التى يمكن أن تنتقل عن طريق تبادل القبلات والأحضان، ونصح الدكتور عبدالهادى مصباح، أستاذ المناعة، بتغيير هذه العادة السيئة، ليس لفترة محدودة، ولكن بصفة مستمرة».

وحسب «مصباح» تنتقل الأمراض الفيروسية والبكتيرية، من خلال الرذاذ والتلامس، لذلك لا بد من الحرص على ترك مسافة واضحة لا تقل عن متر، وضرورة تجنب أماكن الزحام، وعدم ملامسة أسطح الأشياء، وفى حال ملامستها، يجب غسل الأيدى جيداً لمدة 20 ثانية، وتناول الأطعمة التى تقوى المناعة لمواجهة جميع الفيروسات: «الجهاز المناعى إذا تعرض لأى فيروسات تخرج أجسام مضادة لمواجهة هذا التلوث، لذلك من المهم أن يكون الجهاز المناعى نشطاً خلال هذه الأيام لمواجهة أخطر الفيروسات انتشاراً وهو وكورونا».

 


مواضيع متعلقة