المغزى الحقيقى من استحقاق الانتخابات الرئاسية

لا تكمن أهمية الانتخابات الرئاسية المقبلة فى أنها تمثل الاستحقاق قبل الأخير لمرحلة انتقالية، رسمت خطوطها العريضة خارطة طريق، توافق غالبية المصريين على أهدافها، وتحظى بتأييد متزايد من المجتمع الدولى، على أمل أن تقود البلاد إلى حكم ديمقراطى رشيد يستكمل مؤسساته الدستورية، ويمكن المصريين من انتخاب رئيس جديد يحظى بشرعية كاملة غير منقوصة، يقننها دستور جديد للبلاد تتوازن فيه كل السلطات، ويعطى للمصريين حقوقاً غير مسبوقة، تجعل المواطنة هى القاسم المشترك الأعظم بين الجميع، دون تمييز فى الجنس أو اللون أو الدين، وتعلى إرادة الشعب ليصبح السيد الذى يأتمر بأمره الجميع، ويملك سلطة الجيش والأمن، ولا يقبل التدخل الخارجى فى أى من شئونه الداخلية. وإنما تكمن أهمية هذه الانتخابات أيضاً، فى حجم الآمال الواسعة التى يعلقها غالبية الشعب على نهوض مصر من أزمتها المركبة الراهنة، وبزوغ الدولة القوية الجديدة القادرة على دحر الإرهاب، وإلزامه بوقف كل صور العنف وكافة الأعمال الإرهابية، فى إطار رؤية متكاملة تحقق أهداف ثورتى يناير ويونيو فى الحرية والكرامة والخبز وتنهى كل صور الفوضى، وتطبق حكم القانون على الجميع، وتسمح بفتح أبواب المشاركة لكل المواطنين دون إقصاء مسبق لأى طرف، إلا لمن ثبت أنه خان وطنه أو تلوثت يده بدماء المصريين. وما يزيد من أهمية الانتخابات الرئاسية المقبلة، إصرار الدولة والشعب على أن تلتزم الانتخابات معايير النزاهة الكاملة، وتقبل بالتنافسية معياراً صحيحاً للمفاضلة بين عدد من المرشحين، يختار الشعب من بينهم من يراه الأفضل والأكثر استحقاقاً للمنصب الرئاسى، رغم الإجماع الوطنى الواسع على أن المشير عبدالفتاح السيسى هو الأكثر استحقاقاً لهذا المنصب، لأنه استجاب لإرادة شعبه، وساعده على التخلص من حكم جماعة فاشية كانت تخطط للسيطرة على مقادير البلاد ألف عام! ولأنه نجح فى حماية حق المصريين فى حرية التعبير، يوم نزلت جموعهم الحاشدة إلى الشوارع فى 30 يونيو تطالب بإنهاء حكم المرشد والجماعة، وتمكن من صون إرادتهم المستقلة بموقفه الشجاع يوم 3 يوليو، عندما أسقط حكم الرئيس المعزول، بعد أن رفض مرسى الاحتكام إلى انتخابات رئاسية مبكرة، تخرج البلاد من أزمتها الخانقة بسبب إعلانه الدستورى الفظ، الذى أعطى فيه لنفسه سلطات مطلقة، تحصن جميع قراراته فى الماضى والحاضر والمستقبل من الطعن عليها أمام القضاء فى سابقة لا نظير لها فى التاريخ! والآن يخوض معركة انتخابات الرئاسة عدد من المرشحين أبرزهم المشير السيسى ومنافسه الرئيسى المرشح حمدين صباحى وآخرون أهمهم المستشار مرتضى منصور. والواضح من سياق المعركة أن المنافس الرئيسى حمدين صباحى يقود معركة حقيقية جادة تظهر قدرة تنافسية متزايدة، وتحاول استغلال الثغرات الواسعة فى الجبهة الداخلية، دون أن تواجه حملته أى مشاكل فى الوصول إلى الجماهير أو فى عرض آرائها وأفكارها السياسية، رغم لجوئها فى بعض الأحيان إلى الضرب تحت الحزام! ومحاولاتها المستمرة النفاذ إلى مجموعات عديدة من كتل شبابية خرج معظمها عن السياق الوطنى! وكثيراً ما تحاول حملة الـ«صباحى» تشويه صورة منافسه بالإصرار على أن حملة السيسى تكاد تكون استنساخاً لحكم الرئيس مبارك ورموزه الفاسدة. ولا بأس بالمرة من بعض الحمية والحماسة لتزيد سخونة المعركة، وتشجع على خروج الجماهير بكثافة عالية إلى صناديق الانتخاب، لكن من الضرورى فى جميع الأحوال أن تلتزم المعركة الانتخابية معايير المنافسة الصحيحة، دون اللجوء إلى التشهير والاختلاق، كى نرسى تقاليد جديدة تصحح مسارنا الوطنى، ولا أظن أن من حق المرشح حمدين صباحى أن يشكو من انحياز غالبية الصحافة المصرية إلى السيسى، لأن هذا الانحياز تبرره أسباب قوية وضحت فى أحداث 30 يونيو و3 يوليو، وإن كان من حق حملة «صباحى» أن تحظى بتغطية صحفية متكافئة لا يفسدها سوء النيات والترصد المسبق. ولا يبدو واضحاً حتى الآن، إن كانت جماعة الإخوان المسلمين سوف ترشح أياً من شخصياتها التى لم تتورط فى ارتكاب جرائم فى حق الوطن كى تعطيه أصواتها وتقلل من حجم الأصوات التى يمكن أن يحصل عليها المشير السيسى، أو تجعل من مشاركته فى العملية الانتخابية مسمار جحا، الذى يعطيها حق الاعتراض والطعن على أى من إجراءات العملية الانتخابية، التى سوف تخضع لإشراف مراقبين دوليين من الاتحاد الأوروبى، وسواء شاركت جماعة الإخوان بصورة خفية أو قاطعت بصورة علنية فالأمر المؤكد أنها سوف تخسر فى الحالتين، لأن غالبية المصريين يبغضونها حتى النخاع! ولن يقلل من قيمة الانتخابات الرئاسية المقبلة محاولات صبيانية لبعض المراهقين السياسيين لإجراء انتخابات موازية، يرشحون لها خلطة غير متجانسة، تبدأ بالبرادعى وتنتهى بحازم أبوإسماعيل وتضم أحمد ماهر وخالد على، لأن تلك المحاولات لا تعدو أن تكون نوعاً من الشغب الصبيانى، خاصة أن التيار الأغلب من الشباب المعارض ربما يصوّت لحمدين صباحى. وإذا كان من البديهى أن انتخاب رئيس جديد مهما يكن حجم شعبيته لا يعنى أن مصر قد تحصلت على عصا سحرية تساعدها على حل مشكلاتها المركبة التى تداخلت عناصرها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فإن الأمر المؤكد أن نجاح العملية الانتخابية فى حد ذاته والوفاء بهذا الاستحقاق، رغم عمليات التخريب التى تمارسها جماعة الإخوان المسلمين، يعطى مؤشراً مهما على إمكان نهوض الدولة القوية التى تستند إلى إرادة شعبية كاسحة، ويقودها رئيس يحظى بثقة غالبية الشعب المصرى، لأنه انحاز بقوة إلى مصالح شعبه وأثبت صلابة معدنه فى مواجهة ضغوط دولية عاتية، ولا يرى ما يبرر استحقاق الحياة إن لم ينجح فى تأمين مصر من الخوف الإرهاب وانعدام الاستقرار، ومهما يكن حجم مشاكل مصر المتراكمة فإن أول الطريق الصحيح لحل هذه المشكلات يكمن فى دولة قوية، وحكم رشيد، وإرادة وطنية مستقلة. وهذا هو المغزى الحقيقى من استحقاق الانتخابات الرئاسية.