دروس «الأوسكار» الإنسانية التى لم ينتبه إليها أحد

إنجى الطوخى

إنجى الطوخى

كاتب صحفي

كانت الدورة الـ92 من حفل توزيع جوائز الأوسكار لهذا العام، استثنائية الإبداع، بوجبات سينمائية دسمة فى مجال الإخراج والكتابة والتمثيل وحتى الموسيقى والغناء، ومنافسات ضارية بين نجوم ذوى تاريخ سينمائى حافل، حتى بدا أن الجميع يستحق الفوز.

لكنها على جانب آخر كانت حافلة بالكثير من الدروس الإنسانية التى بدت تلقائية بلا تصنّع، بسيطة فى معانيها، تصيب سهامها القلب قبل العقل، وتؤكد دوماً أن الفن هو ما يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية، كما قال «بابلو بيكاسو».

لا يمكن أن تحارب الزمن. كان أول الدروس، وقدّمه فيلم «Irishman» ومخرجه «مارتن سكورسيزى»، فرغم أن الفيلم ترشح لـ10 جوائز، إلا أنه لم يفز بأى واحدة، حاول الفيلم تقديم عالم العصابات وارتباطه بالسياسة الأمريكية إلى الأجيال الشابة، لكنه لم يفلح عندما قدّمه بنجوم كبار تخطوا الـ70 من العمر فى أدوار شابة، مثل «روبرت دى نيرو»، 76 عاماً، و«آل باتشينو»، 79 عاماً، لم يفلح الجرافيك فى إخفاء ملامح السن.

أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً. قدّمه المغنى «أمينيم»، بأغنيته الشهيرة «lose yourself»، بعد 18 عاماً من فوزها بجائزة أفضل أغنية أصلية خلال حفل توزيع الأوسكار لعام 2002، لكن «أمينيم» وقتها لم يحضر، بعد أن ظن صعوبة فوزه بالجائزة.

عندما تجتهد بصدق، سيراك العالم. قدمته «رينيه زيلويجر»، وهى ترفع جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة، فقد تميّزت «رينيه» فى بدايتها السينمائية، حتى إنها ترشّحت ثلاث مرات لجوائز الأوسكار، وفازت بإحداها عام 2004، لكنها منذ عام 2007، وهى تعانى التخبّط الشديد فى اختياراتها أو أدائها التمثيلى. وفى فيلم «جودى» قدّمت «رينيه» أداءً صادقاً، مليئاً بالمشاعر الإنسانية، فلفتت الانتباه من جديد، ونالت الأوسكار

لننتقد أنفسنا قبل أن ينتقدنا الآخرون. يبدو درساً مبتكراً، قدّمته أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحرّكة المسئولة عن جوائز الأوسكار، عندما قام مقدمو الحفل الممثلون ستيف مارتن وكريس روك، بالإشارة إلى الاتهامات التى تتعرّض لها الأكاديمية كل عام بنوع من السخرية، سواء قلة ترشيح العنصر النسائى، خصوصاً فى مجال الإخراج، أو قلة المرشحين من أصحاب البشرة السمراء، كمحاولة لصد الهجوم المتوقع ضدها كل عام عن التمييز فى ترشيحات الجوائز.

استغل سلطتك فى إيصال صوت من لا صوت لهم.. يمثل الفن نوعاً من السلطة، وهو ما أدركه الممثل «خواكين فينيكس»، والممثلة «ناتالى بورتمان»، والمخرجة السورية «وعد الخطيب»، وقدّموا درساً بشأنه، فعملوا على استغلال لحظة الأوسكار، والشهرة التى تحظى بها فى إيصال رسائل حقوقية. «خواكين» تركز خطابه بعد فوزه بجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل، على أهمية مقاومة التمييز العرقى، والحفاظ على البيئة وحقوق الحيوان، أما «ناتالى» فقد ارتدت فستاناً مطرزاً بأسماء المخرجات اللاتى شعرن أنهن تعرضن للتجاهل فى ترشيحات الأكاديمية، وكذلك «وعد» ارتدت فستاناً كُتب عليه باللغة العربية «تجرّأنا على الحلم».

عندما تصل إلى لحظة تكريمك، لا تنسَ أبداً من علمك فى البداية.. هذا الدرس قدمه المخرج الكورى «بونج جون» بحب فى خطابه الذى ألقاه بعد تسلمه جائزة أوسكار أحسن إخراج. فبدلاً من الحديث عن إنجازه، أو استغلال الأضواء المسلطة عليه، عبّر عن عرفانه للمخرج «مارتن سكورسيزى»، الذى كان مرشحاً معه لفئة أفضل مخرج. وذكر أنه عندما كان صغيراً، ويدرس عن فن السينما أكثر درس حُفر فى قلبه هو «أن الأكثر إبداعاً، هو الأكثر خصوصية»، وقد تعلمه من «سكورسيزى».

القاعدة فى الإبداع أنه لا توجد قاعدة.. قدّمته أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة عندما اختارت لأول مرة فى تاريخها فيلماً غير ناطق باللغة الإنجليزية، ليفوز بجائزة أحسن فيلم، وهو فيلم «parasite» ناطق باللغة الكورية، كمثال على أن الإبداع ليست له قواعد محددة أو ثابتة.

قاوم أحزانك بالسخرية. هو الدرس الأخير الذى قدّمه المخرج «مارتن سكورسيزى» بعد خروجه خالى الوفاض من حفل جوائز الأوسكار، حيث نشر صورة على حسابه على الإنستجرام، وهو يحمل جائزة مهرجان «بالم سبرينجز السينمائى»، التى حظى بها العام الماضى عن فيلمه «Irishman» كأفضل مخرج، بينما يحمل كلب ابنته فى يده الأخرى، كما نشرها على حساب كلب ابنته، وكأنه يعلن ساخراً خسارة الإنسان مرة لا تعنى نهاية العالم.